الجمعة، 6 مايو، 2011

تفسير الجريمة والعقوبة في العصر الحديث (المنهج العلمي):

يشمل الاتجاه العلمي[1] جميع المدارس التي ترفض الأفكار التخمينية والتفسيرات الغيبية أو اللاهوتية الكنسية التي كانت سائدة في المجتمعات الغربية قبل ظهور هذا الاتجاه، على أن ذلك لا ينتقص من الدور العظيم الذي أنجزه رواد الاتجاه الفلسفي في حدوث التطور الهائل في مجال علم الجريمة والعقوبة في وقت كان قمع الفكر فيه بالقتل سائدا، ومع ذلك فقد نجح رواد الاتجاه الفلسفي في تكريس عدد من النظريات التي تعد بمثابة الركائز الأساسية التي قام عليها الاتجاه العلمي كنظرية العقد الاجتماعي ومذهب المنفعة المستقبلية للعقوبة ومنطق الاختيار الحر في السلوك.
إن الفرق الجوهري بين الاتجاه الفلسفي والاتجاه العلمي في مجال علم الجريمة والعقوبة، يكمن في أن الاتجاه العلمي يعتمد على المنهج العلمي وبخاصة المنهج المسحي والمنهج التجريبي والخطوات العلمية التي حددها هذا الاتجاه، والتي تماثل إلى حد كبير الخطوات المنهجية في العلوم الطبيعية.
ولقد تعددت مشارب التفسير الوضعي حتى أصبح له مدارس ونظريات كثيرة ربما يعجز المرء عن قراءة كل ما كتب فيها ولو أمضى حياته في سبيل ذلك، ومن أهم هذه المدارس: المدرسة البيولوجية، والمدرسة الاجتماعية، والمدرسة النفسية، ولما كان هدف هذه الدراسة من استعراض التفسيرات التي انطوت عليها كل مدرسة هو معرفة الفكرة أو الأساس الذي يقوم عليه تفسير الجريمة والعقوبة فيها، وليس استعراض كل ما جاء به علماء هذه المدارس، فسوف يتم الاقتصار على أنموذج من المدرسة البيولوجية هو نظرية السمات الوراثية التي جاء بها (لمبروزو) بوصفها تمثل نقلة نوعية هامة في تفسير السلوك الإجرامي. وأنموذجين من المدرسة الاجتماعية هما نظرية التناشز الاجتماعي التي جاء بها (روبرت ميرتون) على اعتبار أنها تصلح لتفسير سلوك المبتدئين في الإجرام، ونظرية الوصم بالانحراف التي جاء بها (تاننبوم) وطورها (إدون لمرت) على اعتبار أنها تصلح لتفسير سلوك العائدين للجريمة. وأنموذجين من المدرسة النفسية هو نظرية التحليل النفسي التي جاء بها (سيغموند فرويد) والنظرية السلوكية، بوصفهما محور الطروحات النفسية حول السلوك.
تفسير الجريمة والعقوبة في المدرسة البيولوجية:
تفسير الجريمة في المدرسة البيولوجية:
تعد المدرسة البيولوجية أول مدرسة تُخرج تفسير السلوك الإجرامي عن التفسيرات الخرافية التي شهدتها العصور القديمة والعصور الوسطى، وهي التي أخرجت تفسير السلوك الإجرامي من صبغته الفلسفية التي اتضحت في أعمال رواد نظرية العقد الاجتماعي والمدرسة التقليدية الأولى والثانية.
ويغفل كثير من الباحثين البداية الحقيقة للمدرسة البيولوجية، فيؤرخون لهذه البداية بأعمال الطبيب الإيطالي تشيزاري لمروزو (Cesare  Lombroso,1835-1909) عام 1876م، أو يؤرخون لها بأعمال العالم والطبيب الفرنسي فرانسيس جوزيف جال (Gall, Frantz Josef, 1758-1828) في منتصف القرن التاسع عشر، والحقيقة أن البداية الفعلية للمدرسة البيولوجية كانت قبل ذلك بكثير، وبالتحديد في عام 1586م حين وضع  العالم الإيطالي (دلا بورتا) (Porta, Jean Della, 1535-1615) كتابا أسماه: (Physiognomic) أي السمات الخارجية للفرد والتي تعرف اليوم باسم: علم دراسة التكوينات الخارجية للفرد (Physiognomies) فكثير من الباحثين يتحدثون عن (دلا بورتا) وعن مؤلفه هذا في معرض حديثهم عن العيوب الخَلقية للمجرمين، وقل أن يتحدث أحد منهم بصيغة الربط بين مؤلف (دلا بورتا) هذا وبين المدرسة البيولوجية، وإذا ما أجرينا هذا الربط فإن (لمبروزو) ليس منشئا للمدرسة البيولوجية، وإنما مجددا ومطورا لها، بينما ينبغي أن يعد (دلا بورتا) في مقدمة علماء هذه المدرسة فقد ركز (دلا بورتا) على الخصائص الظاهرية للفرد المجرم، ومنها ضخامة الفكين، وعرض الجبهة، وعدم انتظام سطح الجمجمة، ثم تطورت هذه النظرية على يد العالم والطبيب الفرنسي جال (Gall) بحيث أصبح النظر أيضا إلى الخصائص الداخلية للفرد المجرم، مثل نقص النمو الطبيعي للدماغ، والوظائف والملكات النفسية والعقلية التي تشكل عناصر شخصية الفرد.
شهدت المدرسة االبيولوجية خلال القرن التاسع عشر تطورا كبيرا شأنها في ذلك شأن جميع المدارس التي يتألف منها الاتجاه الوضعي ، وقد حدث هذا التطور للمدرسة البيولوجية على يد رواد أسهموا بنصيب وافر من الإنتاج العلمي وفي مقدمتهم (سيزاري لمبروزو Cesaree, Lombroso, 1835-1909)
وعلى الرغم من أن الباحث الإنجليزي (دافيد غارلاند)  (D.Garland) يؤكد أن (لمبروزو) توصل إلى نتائج أبحاثه بمجرد الصدفة بحكم عمله كطبيب، فإن ذلك لا ينقص من منزلة (لمبروزو) فالكثيرون ينظرون إليه على أنه أبو علم الإجرام الحديث، بسبب كون تناوله للعلاقة بين الجريمة والخصائص الجسمية الظاهرة والباطنة للمجرم، كعوامل (Factorse) وليس كسبب (Causality)، كثيرا وعميقا، فقد قام (لمبروزو) بإجراء بحوث تهدف إلى معرفة ما يتميز به المجرمون من سمات، وشملت هذه الأبحاث عدد (383) جمجمة لمجرمين موتى، وحوالي (6000) من المجرمين الأحياء. واكتشف في أثناء تشريحه لجثة أحد المجرمين تجويفا غير عادي في مؤخرة جمجمته يشبه ما يوجد لدي بعض الحيوانات كالقردة، وكان (لمبروزو) قد فحص جسم هذا المجرم وهو على قيد الحياة، فلاحظ عليه خفة غير عادية في الحركة وجنوح إلي التباهي والتفاخر بنفسه، وميل إلي التهكم والسخرية بالغير، كما اكتشف في مجرم آخر اشتهر بالقتل بعض ملامح الإنسان البدائي في تكوينه الجسمي ونزوعه إلي قسوة الحيوانات المفترسة.
قام (لمبروزو) بنشر النتائج التي توصل إليها في كتاب له بعنوان (الإنسان المجرم) عام 1876م خلص فيه إلي أن المجرم شبيه بوحش بدائي وإن لم يكن كذلك، فهو يتحول إلى حالة الوحش البدائي في الموقف الإجرامي أو في أثناء قيامه بالأفعال الإجرامية، يضاف إلى ذلك أنه يتميز بملامح وسمات بيولوجية خاصة انتقلت إليه عن طريق الوراثة، ومن ثم فهو يحمل السمات والاستعدادات البيولوجية الملائمة للفعل الإجرامي بالوراثة، ومن أشهر تلك الملامح عدم انتظام شكل الجمجمة، وضخامة الفكين، وبروز عظام الخدين، وضيق الجبهة وانحدارها، وكبر الأذنين وبروزهما إلي الخارج بشكل واضح، ومن الصفات النفسية والعقلية والمزاجية: ضعف الإحساس بالألم، والميل نحو الوشم بشكل مبالغ فيه، وضعف الوازع الأخلاقي، وعدم الشعور بالذنب، والقابلية الشديدة لالتئام الجروح، وسرعة الشفاء من الأمراض، وحدة المزاج، والميل إلي الكسل والغرور، وإدمان الكحول، والرغبة الملحة في المقامرة، والإيمان بالخرافات، والشعور الدائم بعدم الاستقرار النفسي والعاطفي، وعدم السيطرة علي النفس.
لقد أكد (لمبروزو) على أن هذه السمات الانحطاطية التي يتميز بها المجرم ليست هي سبب الجريمة بذاتها، وإنما هي سمات وصفات تساعد على تمييز الشخص الذي لديه استعدادات بيولوجية ملائمة للفعل الإجرامي، وهي كذلك تميزه عن غيره ممن ليس لديه مثل هذه الاستعدادات البيولوجية، بوصفها خصائص تزيد من قابلية الفرد وتضاعف استعداده لارتكاب الجريمة أكثر من غيره، ويفسر (لمبروزو) وجود مثل هذه الصفات الانحطاطية في المجرمين منطلقا من افتراض أسماه بالردة الوراثية وهي خلل بيولوجي أو شذوذ عن القاعدة الوراثية يعود بالمجرم إلي مرحلة الوحشية الأولي من عمر الإنسان لحظة اقترافه لجريمته، ويتقابل (لمبروزو) هنا مع ما قاله (دارون) حول النشوء والارتقاء والردة الوراثية، فالمجرم عند (لمبروزو) ينتمي عضويا ونفسيا إلي مرحلة تكوينية كان الإنسان فيها أقرب إلي الوحوش منه إلي البشــر المعاصرين.
لقد تعرضت نتائج لمبروزو هذه إلى كثير من الانتقادات، الأمر الذي دفعه إلى مزيد من إجراء الفحوصات، انتهت به إلى تصنيف المجرمين على النحو الآتي:
1-          المجرم بالفطرة أو الوراثة (Born criminal) .
2-          المجرم المجنون (criminal unsane): وهو من يرتكب الجريمة تحت تأثير المرض العقلي، ومن قبيل ذلك المجرم الهستيري، والمصاب بالصرع.
3-          المجرم المعتاد (criminaloid): وهو من يعتاد على ارتكاب الجرائم تحت تأثير ظروفه الاجتماعية، فيجعل من الإجرام حرفة أو أسلوبا لـه في الحياة، ومن أهم هذه الظروف اتصاله بالمسجونين، والبطالة، والإدمان على المسكرات والمخدرات، ويختلف المجرم المعتاد عن غيره من المجرمين في العدد الكبير من الجرائم التي يرتكبها.
4-          المجرم بالصدفة أو أشباه المجرمين (Pseudo-criminals): ويرى (لمبروزو) أنه لاعلاقة لإجرامهم بأية ردة وراثية أو مرض، وإنما يرجع إجرامهم إلي ظروف ومواقف يجدون أنفسهم فيها بالصدفة أو بدافع التقليد أو حب الظهور، ويوصي (لمبروزو) بعدم تعرض هذا النوع إلى عقوبة تؤدي إلى اختلاطه بالمجرمين حتى لا ينقلب إلى مجرم بالعادة، وعوضا عن ذلك يمكن إرساله إلى مزرعة أو مصنع حتى يثبت أن سلوكه قد عاد إلى حالة السواء.
5-          المجرم بالعاطفة (Criminal by passion): وهو شخص يتميز بحساسية مفرطة تسلمه إلى الانفعالات الهوجاء، وحقه من المعاملة كالمجرم بالصدفة.              
تفسير العقوبة في المدرسة البيولوجية:
عند البحث في تفسير العقوبة انطلاقا من الأفكار التي قدمتها المدرسة البيولوجية حول لسلوك الإجرامي، وفي مقدمتها الحتمية البيولوجية، يمكن القول أن المنفعة المستقبلية للعقوبة لن تتحقق بالقدر الذي تتحقق به عند المدرسة التقليدية، ومن هنا فإن الإجراء المناسب هو علاج الجاني إذا كان ذلك ممكنا، أو عزله، أو استئصاله، للقضاء على خطورته الإجرامية والاجتماعية؛ لأن الجاني المريض بيولوجيا لا يفهم معنى للعقوبة لذلك فإن الإجراء المناسب هو علاجه أولا ثم العقاب ثانيا، وأهم من ذلك كله هو العلاج القبلي (الوقائي) الذي يقوم على التشخيص القبلي في المدارس مثلا، لمعرفة الأشخاص المهيئين بيولوجيا أو نفسيا للجريمة ومن ثم التعامل معهم تعاملا علاجيا وقائيا.
إن التعرف القبلي، لو أمكن، على الأشخاص المهيئين لاقتراف السلوك الإجرامي، ومن ثم معالجتهم أو التحفظ عليهم لدرء خطورتهم عن المجتمع، سيكون له أبلغ الأثر في نجاح جهود الوقاية من الجريمة، أما علاجهم بعد إتمام العمل الإجرامي فيعد ضمن جهود المكافحة من جانب، وضمن جهود الوقاية من العود إلى الجريمة من جانب آخر، وتعد الجريمة هنا بمثابة الحدث الذي يكشف عن مرضهم، ولهذا فإن البحث يجب أن ينصب على الجانب التكويني والجانب العلاجي على حد سواء، إذ لا يكفي أن نبحث عن الأسباب التكوينية للجريمة دون تحديد الطرق المناسبة للتدخل الهادف إلى معالجتها، فإذا ما تبين أن هذه المعالجة مستحيلة لدى بعض الأشخاص فإن اتخاذ تدابير تجاههم كعزلهم عن المجتمع في المصحات المناسبة التي يمكن أن تقام خصيصا لهم يبدو أمرا لا مفر منه في ظل أفكار المدرسة البيولوجية.
من الواضح أن مفهوم الحتمية البيولوجية للجريمة يتجاوز حدود الإرادة، ليدخل مباشرة إلى مجال الفرصة والمقدرة الإجرامية، فالفرد من ذوي الحتمية البيولوجية لا يؤخره عن الجريمة سوى ترقب الفرصة وتوفر المقدرة، أما الإرادة أو الخطورة الإجرامية فهي متوفرة لديه بالفطرة، وهذا يوحي للقائمين على السياسة الجنائية بضرورة توسيع مجال المكافحة لأن اكتشاف جميع أصحاب هذه الحتمية قبل اقترافهم للسلوك الإجرامي ومن ثم اتخاذ إجراءات وقائية بحقهم أمر لن يتحقق، وهذا يثير الشك في كل من تبدو عليه تلك السمات التي حددتها المدرسة البيولوجية أو قريب منها، إضافة إلى أن توسيع مجال المكافحة قد يكون على حساب النفقات المخصصة لجهود الوقاية الأساسية.
ورغم ذلك فإنه يمكن القول أن فلسفة المدرسة البيولوجية في مجال رد الفعل الاجتماعي على السلوك الإجرامي لا ترتكز على القسوة تجاه المجرمين كما يتبادر للذهن أول وهلة، إذ من الواضح أن مجرد تركيز هذه المدرسة على الحتمية البيولوجية لدى بعض الجناة ينزع عنهم أي إمكانية للاختيار الحر الذي ركز عليه (بنثام) في الاتجاه الفلسفي، وقد أكد (بكاريا) من قبله أنه لا منفعة مستقبلية من العقوبة دون أن تكون لدى الجاني فرصة لاختيار سلوك آخر.
نخلص من استعراض تفسير الجريمة والعقوبة في المدرسة البيولوجية إلى أن المجرم شخص مريض فإما أن يعالج وإما أن يعزل عن المجتمع، غير أن العزل في المصحات العقلية بخاصة زمن (لمبروزو) لم يكن متيسرا كما هو عليه الحال اليوم، ومن المتوقع أن هذا ما دفعه إلى المناداة باستئصال بعض المجرمين، أما اليوم فلو صح بصورة قاطعة وجود حتمية بيولوجية للإجرام لدى بعض الجناة فإن عزلهم في مؤسسات خاصة أمر متيسر.
تفسير الجريمة والعقوبة في المدرسة الاجتماعية:
تفسير الجريمة في المدرسة الاجتماعية:
ليس من المبالغة القول إن المدرسة الاجتماعية تضم أكبر عدد من النظريات حول تفسير السلوك الإجرامي، لذلك فقد وقع الاختيار على نظريتين تمثلان هذه المدرسة، هما نظرية التناشز الاجتماعي، ونظرية الوصم بالانحراف:
أولا- نظرية التناشز الاجتماعي (Social disharmony):
تعود هذه النظرية للعالم الأمريكي (روبرت ميرتون Robert Merton, 1910- ) وقد استلهمها من الفرضيات السابقة للفيلسوف الفرنسي (دوركايم) فأتى بهذه النظرية عام 1938م، وهذه النظرية تتخذ من التوافق بين أهداف الفرد والوسائل التي يحددها المجتمع لتحقيقها محورا لفهم السلوك البشري بعامة، وتتخذ من عدم التوافق محورا لفهم السلوك الإجرامي بخاصة، فبقدر ما يتحقق من التوافق يكون السلوك سويا وتنخفض معدلات السلوك الإجرامي، والعكس بالعكس صحيح، ومن هنا فإنه من المهم أن تكون الوسائل المحددة لتحقيق الأهداف في متناول جميع أفراد المجتمع ومتاحة لهم دون تحيز، ومن المهم كذلك أن تحظى الأهداف والوسائل بالشرعية والقبول من جميع أفراد المجتمع.
من الواضح أن (ميرتون) عمل على تطبيق بعض فرضيات (دوركايم) لتفسير السلوك الإجرامي ولكن داخل المجتمع الأمريكي، فبدأ بالتأكيد على أهمية التوافق بين الأهداف والوسائل، على أن البنيان الاجتماعي للمجتمع الأمريكي يشكل ضغوطا كبيرة تدفع الأفراد نحو الانحراف الاجتماعي، أو الجريمة، ويمكن تلخيص الأسس التي اعتمد عليها (ميرتون) في تفسيره للسلوك الإجرامي في المجتمع الأميركي على النحو الآتي:
1-          الطموحات أو الأهداف التي يكتسبها الأفراد من ثقافة مجتمعهم.
2-          المعايير الاجتماعية التي تحكم سلوك الأفراد في تحقيق الأهداف التي شرعها مجتمعهم.
3-          المؤسسية التي يهيئها المجتمع لمساعدة أفراده على تحقيق أهدافهم.
ومن مسلمات (ميرتون) أن المجتمعات تتفاوت في مقدار ثرائها، وبالتالي في نوعية الفرص التي تتيحها لأفرادها لتحقيق هدف الحصول على الثروة، وتحسين دخولهم الفردية، والمجتمع الأميركي مجتمع وفرة يعلي من قيمة النجاح المادي، تلك القيمة التي تتضمن الرغبة الشديدة في التملك والاستهلاك كهدف أعلى في الحياة، وفي الجانب الآخر يتجاهل هذا المجتمع الكثير من العقبات التي تعيق أفراده عن تحقيق هدف الغنى أو الثراء المادي بالطرق المشروعة، فبعض الطبقات الدنيا معاقة عن الوصول إلى تحقيق هدف الثراء المادي، بسبب العرق، أو الانتماء إلى أقلية معينة، أو العيش في طبقة اجتماعية دنيا، الأمر الذي يثير صراعات ومعاناة حادة تخلق بدورها حالة من عدم التكيف والتوافق بين الأفراد ومجتمعهم وتهتز لديهم قيم المجتمع وعدالته (اللامعيارية أو الأنومي) وهي حالة تدفع بعض الأفراد إلى إتباع أي طريق حتى وإن كان غير مشروع لتحقيق أهدافهم في الحياة، وفي كل الأحول فإن صيرورة العلاقة بين حالة (الأنومي) والبدائل التي يلجأ إليها الأفراد لتحقيق أهدافهم تتضح على النحو الآتي:
1-          حين يتمسك الأفراد بالوسيلة وحدها، بصرف النظر عن إمكانية تحقيق الهدف ذاته، فهم ينغمسون في سلوك شبه آلي دون الاهتمام بنتائجه، كحالة رجل الأعمال الذي لا يرى سوى استمراره في الإجراءات والممارسات دون التعلق بفكرة تحقيق الهدف الذي يسعى من إليه، ومثل هؤلاء يتعلقون بالطقوس (Ritualism) دون الأهداف.
2-          بعض الأفراد يتمسكون بالهدف وحده، بصرف النظر عن ماهية الطريقة أو الوسيلة التي يحققون بها هذا الهدف، فيسلكون طرقا غير مشروعة، كحالة شخص يسعى إلى تحقيق الثراء دون الاهتمام باستخدام الوسائل المشروعة لتحقيق هذا الهدف كالبحث عن العمل الشريف الذي يدر عليه ربحا حلالا، وهنا يختار احتراف السرقة وغيرها من الوسائل غير المشروعة لجمع المادة، وهذا البديل يعرف بالإبداع أو الابتكار.
3-          وقد يختار الأفراد الانسحاب (Retreatism)، فيعمدون إلى رفض الهدف والوسيلة، ويهربون من واقعهم، وينسحبون عن مشاركة المجتمع في نشاطاته.
4-          ربما يمتد رفض الأفراد للوسيلة والهدف، إلى رفض النظام الاجتماعي القائم برمته، وقد تتفاقم هذه الحالة حتى تصل إلى ما يعرف بالثورة (Rebellion)، وقد يتجه بعض الأفراد إلى الإرهاب والتخريب كوسيلة للتعبير عن مطالبهم.
من الواضح، فيما تقدم، أن (ميرتون) في تفسيره لطبيعة السلوك المنحرف قد اتبع المنهج الاجتماعي الذي قد لا يقيم للبواعث الفردية وزنا في عملية اختيار الفرد لإحدى البدائل، وهذه النظرية أو المنهج لميرتون في تفسير أثر النظام الاجتماعي على تكوين الانحراف الاجتماعي أو الجريمة أمر مقبول، وعلى الرغم مما يحمله هذا الأسلوب من حجة ومنهج علمي، فإن (ميرتون) قد عجز عن توفير الإطار النظري الكامل لتفسير الجريمة والانحراف الاجتماعي في مجتمعه الأميركي، فضلا عن قصوره عن بلوغ مستوى نظرية اجتماعية شاملة، لتفسير الانحراف والجريمة، يضاف إلى ذلك أن الدراسات الاجتماعية كدراسة (شو) تؤكد أن جرائم الأحداث في المجتمع الأمريكي المعاصر لا تنفرد بنمط اقتصادي غالب كالسرقات مثلا، بل إنها تشتمل على جرائم الاعتداء على النفس، واستخدام العنف، وتدمير الممتلكات، ضمن البديل الذي يراه (ميرتون) في اختيار الطريق غير المشروع لتحقيق طموحات الفرد المادية في الحياة، لا بل إن السلوك الإجرامي وفقا لهذه النظرية لا بد أن يختلف باختلاف حالة الجاني نفسها، فنجد مثلا أن السرقة تنتشر بين الابتكاريين، والمخدرات والخمور بين الانسحابيين، والتدمير وتخريب الممتلكات بين الإرهابيين.
إن من أكثر الجوانب أهمية في مجال الوقاية من التناشز الاجتماعي أن تعمل المؤسسات الرسمية والأهلية، وبخاصة وسائل الإعلام، أن تمجد النجاح وتثني عليه في كافة المجالات، كأن تثني على النجاح في الأعمال المهنية والحرفية كالكهرباء، والسباكة، والنجارة، وأعمال الدهان، والحلاقة، وأعمال المطاعم، ومختلف الأعمال التجارية، وغير ذلك من الأعمال المهمة التي لا تشترط الحصول على مؤهل علمي عال، وسيعمل مثل هذا الإجراء على أن تكون أهداف الناشئة واقعية وتتناسب مع إمكاناتهم وتكون في متناول يد غالبية أفراد المجتمع وقدراتهم.
ثانيا - نظرية الوصم بالانحراف (labeling Theories):
تعود جذور نظرية الوصم بالانحراف إلى أعمال (تاننبوم  Tannebam) حين كتب عام 1938م مؤكدا على أن الكيفية التي يتعامل بها الآخرون مع الفرد هي التي تجعل منه مجرما، وبخاصة عندما تعمل هذه الكيفية على تأصيل الشر والإثم في شخص ما وتبالغ في تقدير مدى وجود هذه الصفات في تصرفاته، ومن هنا تنشأ نقمة الجمهور عليه ونقمته على نفسه.
تفسر هذه النظرية السلوك الإجرامي على أنه عملية اجتماعية تحدث بين طرفين أساسيين هما: الفعل المنحرف واستجابة أو رد فعل المجتمع تجاه هذا الفعل، على الرغم من أنه يتضح بجلاء أن رد فعل المجتمع لا يكون متساويا في كل الأحوال عندما يصدر الفعل نفسه عن شخصين مختلفين في المكانة والنفوذ أو يكون أحدهما ينتمي إلى طبقة أو أقلية تتعرض للتمييز العنصري.
وقد أعاد البعض ظهور هذه النظرية إلى سببين رئيسيين هما:
1-          سبب تنظيمي وثقافي يتمثل في انعدام المساواة وطغيان التمييز العنصري وما أدى إليه كل ذلك من ظهور حركات الحقوق المدنية والحركات الطلابية التي ظهرت في فرنسا وامتدت إلى أمريكا، الأمر الذي دفع ببعض المفكرين إلى تحويل الاهتمام من المجرم وبيئته ومحيطه إلى دور السلطة وإساءة استخدامها.
2-          سبب أكاديمي نابع من أعمال رواد مدرسة (شيكاغو) وأعمال بعض العلماء ومنهم (ميد Maed) و (كولي Cooly) و (هوارد بيكر Becker) و (إدون لمرت Lemert) و ( روبرت ميرتو Robert Merton) الذين ركزوا على أهمية التفاعل الاجتماعي بين الأفراد وأثره على الذات، ورؤية الآخرين وردود أفعالهم التي تجعل الفرد يستجيب لمعنى الفعل الوصم.
لقد وجدت هذه النظرية شهرة واسعة على يد العالم الأمريكي (إدون لمرت Lemert) الذي اعتبر أن الانحراف في ضوء هذه النظرية يقع في مستويات ثلاثة هي:
1-          على مستوى الفرد نتيجة ضغوط نفسية توجه السلوك.
2-          على مستوى البيئة نتيجة ضغوط بيئية لا تترك للفرد مجالا للاختيار(2).
3-          على مستوى التنظيم الاجتماعي عندما يصبح الانحراف أسلوب حياة لمجموعة كبيرة من الأفراد.
ونجد (لمرت) يرى أيضا أن هناك نوعين من الانحراف هما:
أ‌-             الانحراف الأولي (primary Deviation) ويعني به السلوك العرضي والذي يمكن تبريره تبريرا مقبولا من قبل الفاعل أو المجتمع.
ب‌-          الانحراف الثانوي (Secondary Deviation ) وفي الغالب يكون تطورا للانحراف الأولي إلى درجة يصبح معها وسيلة للتكيف مع المشكلات التي صنعها رد الفعل الاجتماعي على واحد أو أكثر من الأفعال المنحرفة، وقد حدد (لمرت) ثمان عمليات لاكتمال حالة الوصم بالانحراف، هي:  
1-          انحراف أولي.
2-          عقوبات اجتماعية.
3-          تكررا الانحراف.
4-          عقوبات ورفض اجتماعي أشد.
5-          ازدياد حالات الانحراف وظهور العدوان والنقمة على المجتمع.
6-          إطلاق ألقاب الوصم على المنحرف.
7-          يبدأ المنحرف في مواجهة وصمة المجتمع بالانحراف.
8-          قبول المنحرف للوصم وتكيفه مع الدور المرتبط بهذه المكانة.
والباحث ينظر إلى نظرية الوصم بالانحراف على أنها تتناول تفسير السلوك الإجرامي المتكرر، بمعنى أنها تفسر أحد العوامل التي تدفع بالفرد إلى معاودة اقتراف الجريمة، ولا تفسر العوامل التي تدفعه إلى اقتراف الجريمة الأولى، فالفرد لن يوصم إلا بعد سلوك منحرف يقترفه، كما أن الوصم بالانحراف لا يكفي وحده لدفع الفرد إلى معاودة الجريمة لكنه أهم عامل في هذا الجانب وبخاصة إذا ما عوقب الجاني بعقوبة تنطوي على التشهير به. ومن هنا فإن المجال الحيوي لهذه النظرية هو التفاعلات الحاصلة بعد أن يقترف الجاني جريمة ما أو سلوكا منحرفا، وهنا لا يتفق الباحث مع (لمرت) في تحديده لثمان خطوات حتمية لحدوث الوصم بالانحراف ذلك لأن الوصم قد يحدث من أول فعل منحرف وأول عقوبة يرد بها المجتمع على الانحراف، وبخاصة إذا كانت العقوبة منبثقة عن أحكام تخمينية أوتصورات مغلوطة عن منفعتها المستقبلية، ويتفاقم الأمر إذا توافر في العقوبة ثلاثة عناصر، هي:
1-          القسوة والرغبة في الإيلام.
2-            أن يكون الحكم بالعقوبة قد نظر إلى الماضي (الفعل الذي تم وانتهى) وتجاهل المستقبل ومتطلبات تحقيق المصلحة المستقبلية المتوخاة من وراء العقوبة.
3-            أن يكون الحكم بالعقوبة قد قصد التشهير بالجاني (Signification) من خلال عرضه في الأماكن العامة.
إن التشهير يجعل الجاني يعتقد أنه أصبح معروفا عند كل فئات المجتمع وهذا بدوره يخلق عنده وعيا سلبيا خاصا بذاته، ويثير لديه الخصائص الإجرامية المرتبطة بما وصم به فيصبح صورة مطابقة لما يصفه به المجتمع، ويصبح الأمر أكثر سوءا عندما يجتهد أشخاص من السلطة التنفيذية في تأكيد خصائص الوصم بإساءة معاملة الجناة فتزداد الهوة الفاصلة بين الجناة والقائمين على برنامج الإصلاح، وتصبح كل إساءة بمثابة إيحاء للجناة بإبراز خصائص إجرامية فيتصرفون وفق الخصائص التي ألصقت بهم، وهذا ما يجعل جهود الإصلاح تتحول إلى مجرد أعمال روتينية لا تحقق المنفعة المتوخاة من ورائها، بل وربما أتت بنتائج عكسية طالما أن الجناة ينظرون إلى القائمين على هذه البرامج بوصفهم من عملوا على التشهير بهم والقسوة عليهم وإيلامهم.
وهناك وجهة نظر علمية أخرى تدعم نظرية الوصم بالانحراف بصورة مباشرة من حيث كون الوصم يدفع بالشخص الوموصوم إلى معاودة السلوك الإجرامي، فقد أكد العالم (كولي Charles Horton Cooley, 1864-1929) أن المجتمع مرآة للفرد تنعكس ذاته عليها ويتصرف على أساس الصورة التي يراها في هذه المرآة، فالمجتمع الإنساني شبكة من التفاعلات بين عقل الفرد وعقول الآخرين، والنفس البشرية مجموعة أفكار تتعامل مع نفوس الآخرين الذين تشكل نفوسهم مجموعة أفكار أيضا، وهذه النفس تنمو من خلال عملية الاتصالات والتفاعلات التي تنعكس على شعور الفرد، ومن هنا  فإن فعل الآخرين على النفس وفعل النفس على الآخرين ما هو إلا تفاعل الأفكار مع بعضها البعض داخل العقل، ومن ثم يصبح شعور الفرد حول نفسه انعكاسا للأفكار المتأتية من عقول الآخرين، لذلك لا توجد نفس إنسانية معزولة، كما أنه لا أهمية للذات إلا من خلال تفاعلها المستمر مع الآخرين، ولكي يدرك الفرد نفسه بشكل موضوعي فإن عليه أن يستقي هذا الإدراك من خلال رؤى وتقيييم الآخرين ونظرتهم إليه، وهذه العملية تمر بثلاث مراحل:
1-          يتصور الفرد كيف يبدو في نظر الآخرين وما هي معاييرهم في تكوين هذه النظرة.
2-          يتصور الفرد تقييم الآخرين له وحكمهم عليه، وكيف يبدو في نظرهم بعد هذا الحكم والتقييم.
3-          يتصرف الفرد على نحو يعبر عن أنواع الشعور على ضوء المرحلتين السابقتين.
وهذه المراحل الثلاث تسمى انعكاس الذات على مرآة المجتمع بشرط أن يكون صاحبها قد بلغ النضج وانفصل عن الجماعة الأولية.
ورغم دور المجتمع الرئيس في حدوث الوصم بالانحراف فإن المنحرف يسهم في هذه العملية بشكل فعال، فبالإضافة إلى كونه اقترف السلوك الإنحرافي أولا، نجد أن أفكاره ورؤاه قد تكون مغلوطة أو متطرفة ومن هنا لا تكون المرآة الاجتماعية التي تنعكس عليها صورته الذاتية صافية، بل مهشمة لا يستطيع أن يشاهد صورته عليها بشكل سليم، فلا تشكل عنده مرجعا ذاتيا يتفاعل معه عند اتخاذ قرار أو فعل سلوكي معين، فالمحيطون به ذئاب مفترسة في نظره، وهم يسعون إلى إيذائه وتجريحه، ومن هنا يحتقر المجتمع وينعزل عنه بقدر استطاعته.
وقد يأتي هذا التهشم في المرآة الاجتماعية مطابق للواقع بسبب التخلف والجمود الاجتماعي الذي يتمسك به بعض أفراد المجتمع تجاه الجناة، أوعندما تتصرف سلطات المجتمع تجاه الجناة بشكل يعكس أو يولد لديهم قناعة بأنها ترغب في إيذائهم والتنكيل والتشهير بهم فتتحول المحاكم في كثير من أحكامها والمؤسسات الإصلاحية في كثير من برامجها إلى مجرد معامل تفرخ كل يوم أفرادا معادين للمجتمع ونظمه، ومن ثم العود للجريمة، وتتزايد أعدادهم يوما بعد يوم حتى يشكلون شريحة اجتماعية كبيرة لها مميزاتها الثقافية والشعورية، الأمر الذي يعمل على توحيد مشاعر كرههم وعدائهم للمجتمع ونظمه، وربما تفاقمت الأمور إلى درجة تحدث معها حالة من الهيجان تدفعهم إلى اقتراف أفعال إجرامية بشكل جماعي.

تفسير العقوبة في المدرسة الاجتماعية:
إذا ما اتجه الشأن إلى معرفة السياسة العقابية، انطلاقا من فكر المدرسة الاجتماعية عن الجريمة الذي اتضحت معالمه في نظرية التناشز الاجتماعي لـ (روبرت ميرتون)، ونظرية الوصم بالانحراف لـ (تاننبوم) و (إدون لمرت)(3)، فسنجد أن أهداف العقوبة هنا لا تختلف عن أهداف العقوبة العادلة، لكن الشيء المهم في هذا الجانب هو أن هذه المدرسة تركز على الوقاية كثيرا، إلى جانب تركيزها على البرنامج الإصلاحي وما ينطوي عليه من وقاية وعلاج وتأهيل.
ومما لا شك فيه أن المدرسة الاجتماعية تنظر إلى الوقاية الأساسية على أنها أفضل أساليب الوقاية؛ لأن الجهود الوقائية فيها موجهة صوب الحيلولة دون تشكل الإرادة أو الشخصية الإجرامية لدى الأسوياء، على أن مبدأ الوقاية الموقفية وارد بقدر أكبر ضمن إجراءات المكافحة، من أجل تصعيب الفرصة على الأفراد الذين تشكلت لديهم الإرادة الإجرامية، وكذلك إضعاف المقدرة على اقتراف الفعل الإجرامي.
إن تغليب جانب الوقاية الأساسية هنا نابع من القناعة بأن نجاح المجتمع في الحيلولة دون تشكل الإرادة الإجرامية لدى الأسوياء يقلل من الحاجة إلى الوقاية الموقفية التي تنصب على الفرصة والمقدرة، يضاف إلى ذلك أن الوقاية الاجتماعية الأساسية التي تنصب على منع تشكل الإرادة تتوفر لها فرص كثيرة وكبيرة للنجاح، تفوق ما يتوفر للوقاية الموقفية وبرنامج الإصلاح، فاحتمال الفشل في تعديل سلوك الفرد بعد أن يصبح جانحا أمر وارد جدا، والواقع يثبت ذلك، كما أن النجاح في الحد من الفرصة والمقدرة قد لا يكون مضمونا؛ لأن الجناة أصبحوا يوظفون وسائل التقنية والعلم الحديث لتنفيذ أعمالهم وبدرجة قد تفوق توظيف الأجهزة الأمنية والمجتمعية للتقنية الحديثة المحققة للوقاية الموقفية وإعمال التدابير الاحترازية.
إن أسلوب الوقاية الأساسية هو أسلوب قبلي للمحافظة على استمرار الأسوياء في حالة السواء، وبخاصة الأطفال والأحداث والشباب، وهذا الاتجاه تخدمه عوامل وإمكانات كثيرة متوفرة أساسا ضمن برامج الرعاية الاجتماعية المقدمة إلى عموم أفراد المجتمع، أما الوقاية الموقفية فهي أقرب إلى التعامل مع فئات خاصة، أي أنها برامج وإجراءات موجهة إلى أشخاص أصبحوا غير أسوياء، لكونهم باتوا يحملون الإرادة الإجرامية، يضاف إلى كل ذلك أن الوقاية الأساسية تتيح فرصة لتوظيف جميع النظريات الوقائية الحديثة في آن واحد، وذلك على النحو الآتي:
أولا- نظرية المحيط الآمن Defensible Space: ترى هذه النظرية أن الاهتمام في البنايات يكون موجها للداخل على حساب الخارج، وأن كثيرا من هذه البنايات تحتوي على عدد من المخارج والممرات المتداخلة التي تسهل إفلات الجناة، وعلى الرغم من كونها معدة لاستيعاب أعداد كبيرة من السكان فإنها مصممة بشكل يساعد على الفردية وبقاء الجيران مجهولين عن بعضهم البعض، مما يقلل عملية التفاعل بينهم. هذه النظرية تصلح للتوظيف في مجال الوقاية الأساسية بشكل أكبر من غيرها من السياسات الوقائية، من خلال قيام البلديات بفرض مواصفات معمارية تتلافى أكبر قدر ممكن من هذه العيوب، بحيث تؤخذ هذه المواصفات في الاعتبار عند تصميم المساكن وتنفيذها، وبخاصة تشجيع التواصل والتفاعل والتعاون بين الجيران، وإحداث قناعة لدى الأفراد بأن تشكل الإرادة الإجرامية لديهم تكتنفه صعوبات، وأنه لا طائل من ورائه.
ثانيا- نظرية النشاط الرتيب: تفترض هذه النظرية أن أنماط الحياة الروتينية اليومية، تبعد الكثير من الناس عن منازلهم وممتلكاتهم وأسرهم، لذلك يجد صاحب الإرادة الإجرامية فرصة مواتية للقيام بجريمة السرقة مثلا. ويمكن توظيف هذه النظرية من خلال الوقاية الأساسية عندما يتخذ أفراد المجتمع إجراءات تحرز ممتلكاتهم، وتقلل من فرصة وجودها في أماكن وأوضاع تعرضها للخطر، وكذلك عندما تتخذ الأجهزة الأمنية من الإجراءات ما يوحي بيقظتها التامة في في أثناء غياب الناس في أعمالهم وإجازاتهم، وعندما يهتم الجيران بالتعرف على كل قادم إلى السكن، والتعرف كذلك على مصادر الأصوات والتحركات غير العادية، فمن شأن ذلك كله أن يثبط كثيرا من فرص تشكل الإرادة الإجرامية أولا، ويقلل من الفرصة والمقدرة الإجرامية إلى حد كبير.
ثالثا- نظرية الاختيار العقلاني: تؤكد هذه النظرية على أن اختيار المجرم للموقف المناسب والضحية المناسبة لا يتم حسب التفكير العقلاني، بل حسب الفرصة المتاحة والمنفعة المتوقعة. ويمكن توظيف هذه النظرية في الوقاية الأساسية من خلال وعي أفراد المجتمع بأهمية تقليل المردود والمنفعة الاحتمالية التي يمكن أن يحصل عليها المجرم، والعمل على عدم توفير الفرصة لحدوث الفعل الإجرامي، بمعنى أن تكون المنفعة والفرصة في أضيق الحدود لتلافي أكبر قدر ممكن من الخسارة.
رابعا- نظرية أسلوب الحياة: تقوم هذه النظرية على افتراض أن اختيار الفرد لأسلوب حياته ينطوي على درجة كبيرة من المخاطرة كاختياره للتواجد في محيط يتميز بمعدلات عالية للجريمة والانحراف مما يجعله أكثر احتمالا للوقوع ضحية للجريمة. ويمكن توظيف هذه النظرية في الوقاية الأساسية من خلال التوعية بأن نباهة أفراد المجتمع، وتجنبهم الوقوع في ظروف وأماكن تغري بهم، يحول دون لفت الأنظار لدى الأسوياء إلى أنهم يمكن أن يكسبوا من وراء هؤلاء الأفراد إذا ما أقدموا على اقتراف فعل إجرامي بحقهم. كما أنه هذه النباهة والتجنب يمكن أن تسهم في عدم تشكل الإرادة الإجرامية، وإذا ما فشلت جهود الوقاية هذه فإن النباهة قد تعمل على تقليل الفرصة والمقدرة. وإذا ما أُمعن الفكر في توظيف تلك النظريات الحديثة للوقاية من الجريمة، فسنجد أنها تتميز بالتفاعل والتأثير المتبادل والتداخل، فكل نظرية يمكن أن تقلل من تشكل الإرادة الإجرامية، وأن تقلل من الفرصة والمقدرة الإجرامية أيضا.
تفسير الجريمة والعقوبة في المدرسة النفسية:
تفسير الجريمة في المدرسة النفسية:
أولا- تفسير الجريمة في نظرية التحليل النفسي:
تشترك كل من الجريمة والحالة النفسية والعقلية للإنسان في صفة الشذوذ أو انحراف السلوك، فالسلوك المنحرف هو ما يجعل الناس يطلقون على الشخص صفة منحرف أو مجنون أو مجرم، وفي حالات الجنون التام يصبح الشخص خارج نطاق المسؤلية الأخلاقية عن أفعاله، لكن توجد حالات اضطراب عقلي و نفسي تؤثر على السلوك ولا يكون هناك معيار واضح وقاطع يفصل فيها بين حالة الشذوذ وحالة السواء، ومن بين هذه الحالات أشخاص لا توجد لديهم أي مشكلة في التمييز بين الخطأ والصواب ومع ذلك يقترفون الجرائم.
وقد حاولت المدرسة النفسية تحديد الأسباب النفسية والعقلية التي تدفع بهؤلاء إلى السلوك الشاذ سواء بلغ هذا السلوك حد الجريمة أم اقتصر على ما دونها من سلوكيات غير سوية، وتعد نظرية التحليل النفسي أهم النظريات في هذه المدرسة، فقد أثْرَت هذه النظرية على يد صاحبها (سيغموند فرويدSigmund Freud)  علم النفس بإنتاجها، كما أثْرَته كما باستثارتها للمعارضين والمؤيدين لها على الإنتاج العلمي.
يرى (فرويد) أن هناك دوافع تقف وراء كل سلوك بشري، وأن هناك جانبا خفيا من العقل الإنساني يؤثر على الحياة النفسية والعقلية الظاهرة للفرد دون شعور منه، وقد أطلق على هذا الجانب الخفي اسم "اللاشعور" ومن هنا فإن نظرية التحليل النفسي تؤمن بمبدأ الحتمية النفسية(4)، وأنه ليس في دنيا النفس مجال للمصادفة، فكل سلوك ظاهر أو باطن للإنسان مقيد بما سبقه من ظروف وأحداث ودوافع، فحتى تلك الأفعال التي تصدر دون قصد، كفلتات اللسان وزلات القلم، تأتي نتيجة ظروف وخبرات سابقة، وهنا يتضح أن هذه النظرية تركز جل اهتمامها على الجانب اللاشعوري من شخصية الإنسان، والتي تنقسم في نظر (فرويد) إلى ثلاثة أقسام رئيسة على النحو الآتي:
الهو/الهي (id): وهي مكون يحتوي على الميول والاستعدادات الموروثة،  ويتركز اهتمام هذا القسم من النفس على الانسياق وراء الشهوات،  وإرضاء الغرائز بأية طريقة ممكنة بغض النظر عن اعتبارات المثل والقيم والمبادئ النبيلة. إنها تمثل جميع الدوافع والرغبات الغريزية البدائية، وما يتصف به الفرد من ميول دنيا موروثة ونَزَعاتها، وهذه الرغبات تشكل جميع ما يتمنى الفرد القيام به من أفعال حتى تلك الخارجة عن المنطق والبعيدة عما تفرضه الأخلاق والعقل السليم، فهي تبحث عن تحقيق أكبر قدر من اللذة الناتجة عن إشباع الغرائز، وحين يوجد ما يتعلق بهذا الجزء من الشخصية في اللاشعور فإنه يستثير الأنا والأنا العليا ويدفع بهما إلى العمل بقوة أكبر
الأنا (ego):
من الممكن أن يطلق عليها صفة العقل، فهي تتميز بأنها شعورية بالدرجة الأولى، ولكونها تمثل الشعور فإنها بالتالي لا توجد لدى الطفل، وإنما تبدأ في الظهور عنده حينما يصبح لديه شعور بالذات،  وتتطور كلما تقدم في النمو وتزداد سيطرتها على رغباته الغريزية، ويمكن تحديد وظيفة الأنا بأنها محاولة فرض التوافق بين الرغبات الغريزية وبين ما تفرضه الأخلاق ويتطلبه المنطق والعقل السليم، وطبقا للقواعد والظروف الواقعية.
الأنا العليا: (Superego):
يتطابق هذا القسم من الشخصية مع المفهوم التقليدي للضمير والأخلاق، وتقع الأنا العليا في مجال اللاشعور هي الأخرى، إذ إن تصرفات الفرد السوي تعتمد على حصيلته أو مقدار ما لديه من مُثُل أخلاقية مخزونة في مستودع اللاشعور، والتي تجمعت لديه خلال مختلف مراحل تنشئته، ويرى (فرويد) أن هذه الحصيلة من الأخلاق المودعة في اللاشعور ذات منشأ متعدد الجوانب، فمنها ما تم غرسه في النفس بطريقة تلقائية من خلال ما يشاهده الفرد من مبادئ وتعاليم ومواقف أخلاقية يأتيها الآخرون وبخاصة الآباء، ومن يثق بهم أو يرى فيهم مثله الأعلى(5)، وبالتالي فإن الأنا العليا تتسم بالشدة في أحكامها، فلا تتكيف ببساطة مع ما يأتيه المجتمع من تصرفات جديدة وما أصبح يحتوي عليه من علاقات يومية مرنة، وهكذا قد تصبح الأنا العليا أخلاقية مفرطة بحيث تتسـلط على الأنا مما قد يؤدي إلى الصراع النفســي الناتج عن الشــعور بالإثم والذنب.
يتضح من هذا أن السلوك هو حصيلة العلاقة بين الأقسام الثلاثة السابقة للنفس أو الشخصية الإنسانية، فإذا تغلبت الشهوات والميول الفطرية فإن السلوك يكون منحرفاً، وتكون شخصية صاحبه غير ناضجة،  أما إذا تغلبت المثل والقيم المكتسبة، وتحكم الضمير والعقل في غير ما قسوة وتطرف فإن السلوك يأتي قويما،ً وتكون شخصية صاحبه ناضجة، وعلى هذا يمكن الإفتراض أن للأنا (ego) وجهين أحدهما يطل على الدوافع الفطرية المختزنة في (الهي id) والآخر يطل على العالم الخارجي المختزن في الأنا العليا (superego) عن طريق الحواس، وأنها تعمل في نطاق الواقع فتقوم بعملية تسوية أو ترضية بين (الهي) و الأنا العليا، كما أن السلوك السوي هو نتيجة للتوازن السليم بين هذه المكونات الثلاثة، وأن السلوك غير السوي ليس إلا نتيجة طبيعية لعدم التوازن بينها، فحين تخفق الأنا في عملها تطغى الغرائز الفطرية، وحين تكثر الأنا العليا من أوامرها تصاب الأنا بالمرض المعَبَّر عنه بقلق الضمير والشعور المفرط بالذنب حتى وإن لم يكن صاحب هذا الضمير مذنبا في الواقع ذنبا يتناسب في شدته مع شدة هذا القلق.
ويمكن القول إن الحالة المرضية للأنا تؤدي بها إلى الانحياز، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون عادلة،  فإذا كان انحيازها إلى جانب (الهي id) فإنها تسمح لمكوناتها ومطالبها الغريزية بالانطلاق بحثا عن الإشباع دون رقيب أو رادع، ومن ذلك بعض السلوكيات التي تشاهد في المجتمعات الإباحية وكذلك سلوكيات المنحرفين، وإذا كان انحيازها إلى جانب الأنا العليا فإنها تصبح مفرطة في قسوتها على كبت المطالب البيولوجية الكامنة في(الهي) ومن ذلك ما كان سائدا في العصور الوسطى إبان سيطرة الفكر الكنسي في أوروبا وما يشاهد من تطرف في الرأي لدى بعض الجماعات في العصر الحديث، وبخاصة الجماعات الإرهابية باسم الدين.
ولما كان المجتمع هو الذي يملأ الأنا العليا، وبالتالي فهو المسؤول إلى حد كبير عن صحة المدخلات، وكانت (الهي) مملوءة بغرائز فطرية لا يملك الإنسان الاستغناء عنها، فإن الأنا تصبح مجرد مرشح (Filter) أو منظم يصنع من العلاقة بين (الهي) والأنا العليا ما يسمى بالسلوك على شكل مخرجات، ولا غرابة في أن عمر هذا المرشح وسلامته تدوم بقدر كمية الاستهلاك ونوعه الذي يتحكم فيه الفرد والمجتمع سلبا أو إيجابا، ويبدو أن الانهيار الذي يصيب الأنا العليا والأنا في آن واحد هو ما يعبر عنه بالجنون،  حيث ينفك الارتباط بين الواقع الخارجي والواقع الداخلي للإنسان فتنعدم القيم لديه تماما،  وحين يخلو إنسان ما من جميع القيم الاجتماعية والفردية، بصورة دائمة أو مؤقتة،  فإنما يكون قد أصيب بمرض عقلي أفقده كل ارتباط يعيه مع نفسه، ومع من حوله،  وتستمر حالة فقد القيم بقدر استمرار هذه الحالة المرضية.
وعلى هذا يمكن القول إن الفرد حين يعتدي على القيم التي يحرص عليها مجتمعه، فإن مكونات شخصيته قد أصيبت بخلل ما، يمكن التعامل معه بما يعيد هذه المكونات إلى حالة السواء في الغالب الأعم، إلا إذا كان المجتمع نفسه مصابا بخلل في قيمه ونظمه فإنه – حينئذ - يسهم في تفاقم الحالة وتكرار حدوث الخلل النفسي لدى بعض أفراده، وقد يتطور هذا الخلل من مجرد اضطراب إلى مرض عقلي عند البعض.
ولا غرابة في أن يكون المجتمع مصابا باضطراب في بعض الجوانب القيمية والتنظيمية لديه، من خلال كونها خاطئة في الأصل، مع إصراره على التمسك بها وتوجيه أفراده قسرا للامتثال لها، وفي هذه الحالة يبدو الشخص السليم الذي يبحث عن القيم والمعارف والنظم الاجتماعية الصحيحة منحرفا،  ويعاقب على هذا الأساس، وتظهر مثل هذه الحالة في قضايا الفكر والرأي عندما يرفض شخص أن تكون علاقته بمجتمعه علاقة آلية، ويصر على أن تكون علاقة عضوية، وهي ميزة من مميزات المجتمعات المتطورة.
والخلل النفسي لا يعني الإصابة بالمرض النفسي العضال، إذ يكفي لإطلاق صفة الخلل النفسي على شخص ما، أن يضطرب تفكيره إلى درجة يحس معها بالرغبة في الانتقام من مجتمعه، أو العدوان على حقوق الآخرين، أو يحس بالإحباط وفقد الأمل في الحياة السوية، أو يتصف بعدم القدرة على الصبر، وكذلك الحماقات وسوء الفهم، وكلها تدفع بالفرد إلى تحقيق أهدافه بطرق غير سوية.
لقد أتى (فرويد) بالإضافة إلى هذه الأقسام الثلاثة للشخصية، بعدد من المفاهيم منها:
1-          اللبيدو: وهي طاقة جنسية أو جوع جنسي، يعتمد على التكوين البيولوجي للإِنسان، ويرى (فرويد) أن كل ما يصرح الأفراد بحبه أو حب القيام به يقع ضمن دائرة الدافع الجنسي،  فالجنس عند (فرويد) هو النشاط الذي يستهدف اللذة وهو يلازم الفرد منذ مولده إذ يصبح الأداة الرئيسة التي تربط الفرد بالعالم الخارجي في استجابته لمنبهاته.
2-          الكبت: وهي دعامة نظرية التحليل النفسي وربما كانت أهم قسم فيها، إذ لابد من الرجوع إلى كل مراحل حياة الشخص، وبالذات مرحلة الطفولة لمعرفة الحوادث والمواقف والخيالات التي كبتت في اللاشعور.
3-          الدفع: يرى (فرويد) أن كل سلوك مدفوع (all activity is motivated) فإلى جانب الأفعال الإِرادية التي توجهها الدوافع والتمنيات هناك أفعال لا إرادية،  فكل هفوة مثلاً ترضي تمنياً، وكل نسيان لشيء ما دافعه رغبة في إبعاد ذلك الشيء.
4-          الحلم: وينظر إليه (فرويد) على أنه انحراف عن الرغبة الأصلية المستكنة في أعماق النفس، وهذه الرغبة مكبوتة يقاومها صاحبها في مستوى الشعور ويعيدها إلى اللاشعور، وفي أثناء النوم عندما تضعف الرقابة تأخذ هذه الرغبة طريقها باحثة لها عن مخرج.  ومن هذا المنطلق يمكن القول أن الحلم ليس سوى خدعة للتمويه، أو هو قناع يختفي وراءه الوجه الحقيقي للرغبة حتى تظهر في هيئة تنكرية لخداع الأنا والانطلاق إلى عالم الإشباع من خلال الحلم طالما أن إشباعها في الواقع لم يتيسر.
5-          اللذة والواقع:  فالإِنسان يتجه بطبيعته نحو مبدأ اللذة المتأتى عن إشباع الرغبات، لكنه يواجه بواقع الطبيعة المحيطة به وما يوجد به من معوقات فيتجنب هذه اللذة التي قد تجلب له آلاماً أكبر منها أو يؤجل تحقيقها(6).
6-          غريزة الحياة وغريزة الموت: يفترض فرويد وجود غريزتين متعارضتين ينطوي فيهما كل ما يصدر عن الإِنسان من سلوك، وهما غريزة الحياة وغريزة الموت. فغريزة الحياة تتضمن مفهوم اللبيدو وجزءاً من غريزة حفظ الذات، أما غريزة الموت فتمثل نظرية العدوان والهدم وهي غريزة موجهة أساساً إلى الذات ثم تنتقل إلى الآخرين، والحرب هي محاولة جماعية للإِبقاء على الذات نفسياً، والذي لا يحارب يعرض نفسه لاتجاه العدوان إلى الداخل فيفني نفسه بالصراعات الداخلية،  فالأولى به أن يفني غيره إذن، والانتحار هو مثل واضح لاتجاه هذا العدوان إلى الداخل وفشل الفرد في حفظ حياته.
ويرى (فرويد) أن هناك أسباب تستثير غريزة الموت وبالتالي التدمير والعدوان، ومنها:
1-          إحساس الفرد بالدونية واستصغار الناس لـه وبخسهم لإمكانياته أو قدراته، فتتحرك دفاعاته ساعياً إلى الانتقام لنفسه من المجتمع.
2-          إحساس الفرد بخطر الموت وبأن حياته مهددة فيختل توازنه النفسي والجسدي والاجتماعي ويتلاشى التزامه بمبادئ المجتمع وتقاليده.
3-          تملك السادية لنفس الإنسان، فتصبح الجريمة (العنف) عنده سهلة، ليؤمّن بواسطتها الوقود الذي يحقق له الإشباع النفسي، بحيث يصبح العنف منطلقاً للتقليد والتخطيط.
4-          النقــل، فالمريض قد ينقل حبه أو بغضه المكبوت في اللاشعور تجاه شخص ما إلى شخص آخر كالطبيب، مثلاً، خلال عملية المعالجة.
5-          عقدة أوديب: وهذه العقدة مستوحاة من الأسطورة التي تقول بأن شخصاً قد قتل أباه ثم تزوج أمه وأنجب منها دون علم منه بأنهما أبواه، ولما علم بحقيقة ما فعل سمًَل عينيه. وقد استغل (فرويد) هذه العقدة ذات المنشأ الأسطوري لتوضيح كثير من الإسقاطات النفسية، واعتبرها مركزاً لتحليلاته المختلفة.
يتضح مما سبق أن الشخصية عند (فرويد) ما هي إلا حصيلة صراع بين قوى ثلاث: (Id- ego- super ego) وفي هذا الصراع قد يلجأ الإنسان إلى الحيل الدفاعية عندما يعجز عن مواجهة هذا الصراع وما يخلفه من مشكلات في حياته اليومية، وهي أساليب غير سوية تهدف إلى التخفيف من حدة التوتر الناتج عن هذا الصراع وتحقيق قدر من التوازن للشخص مع نفسه ومع بيئته، وتشترك هذه الحيل جميعا في أنها تشويه للحقيقة، وتظهر على النحو الآتي:
1-          التبرير: وهي عملية دفاعية لا شعورية يقصد بها الفرد تقديم تعليلات قد تبدو للعقل منطقية وهي في الحقيقة غير ذلك وتخفي وراءها رغبات مكبوتة، ومنها على سبيل المثال الصانع الفاشل الذي يلوم عدته، والتلميذ الراسب الذي يتهم معلمة بعدم الكفاءة، ويختلف التبرير عن الكذب من حيث أنه لا شعوري بينما الكذب عملية تزييف شعورية.
2-          الإسقاط: وهو حيلة دفاعية لا شعورية أيضا يرمي الفرد فيها غيره بصفاته الممقوتة كالبخيل الذي يتهم الناس بالبخل، أو المريض النفسي الذي يحكم على الآخرين بالمرض.
3-          التقمص: وهي حيلة يدمج فيها الفرد شخصيته في شخصية فرد آخر، كالشخص الذي ينتحل شخصية من يحب ويعجب به، أو حتى شخصية من يكره.
4-          الإبدال: والإبدال نوعان، النوع الأول الإعلاء وهو التعبير عن الدوافع التي لا يقبلها المجتمع بوسائل يقرها المجتمع مثل إشباع الدافع الجنسي بالزواج. والثاني التعويض وهو الظهور بصفة ما بقصد التغطية على صفة أخرى، وتكون الصفة الظاهرة صفة طيبة ومقبولة مثل من يعوض عن فشله الدراسي بالمبالغة في إظهار تفوقه في الأنشطة الرياضية.
ثانيا - تفسير الجريمة في النظرية السلوكية:
اشتهرت هذه النظرية في تفسير السلوك الإجرامي من خلال النظرية العامة للشخصية الإنسانية التي قدمها (أيزنك H. Eysenck) التي حدد فيها ثلاثة أبعاد يرى أنها مسؤولة عن التباين الحاصل في السلوك، وهي: (الانبساط – الانطواء) (العصابية – الاتزان الوجداني) (الذهانية – الواقعية).
وقد ربط أيزنك بين نظريته هذه وبين الجانب الفسيولوجي والوراثي والبيئي، فأكد على أن التفاعل بين هذه العوامل الثلاثة هو الذي يحدد الفروق الفردية بين الأفراد داخل كل بعد من أبعاد الشخصية، وأكد على أن وضع الفرد على كل بعد لا يحدد وضعه على البعد الآخر، فدرجة الفرد على البعد العصابي لا تعني أن له الدرجة نفسها على البعد الذهاني، لكن هذه الدرجة تعطي مؤشرا على نوعية الأمراض التي يمكن أن يصاب بها الشخص، والسلوك الذي قد يسلكه، فالإنبساطي والعصابي عرضة للإصابة بالهستيريا والسلوك المضاد للمجتمع، وسهولة حدوث الانطفاء لديهم، فهم ينسون بسرعة أكبر من غيرهم ما تعلموه من القيم والمعايير الاجتماعية، ومن هنا ينحرفون عن قيم ومعايير المجتمع، وهم كذلك عرضة أكبر من غيرهم لأن يفشلوا في الاستفادة من العلاج والتأهيل، ومن هنا يصبحون من أصحاب جرائم العود.
من الواضح هنا وجود تشابه بين (أيزنك) و (بيناتيل) فكلاهما يصف الشخصية الإجرامية، وهذا الوصف وإن كان يقدم مؤشرات يمكن الاستدلال بها على أكثر الأشخاص قابلية للإجرام، وكذلك نوع المرض الذي من المحتمل أن يصاب به أصحاب هذه الصفات فإنهما لم يقدما تفسيرا حقيقيا للسلوك الإجرامي، بمعنى أنهما لم يتوصلا إلى تحديد الأسباب والعوامل التي تجعل الشخص منحصرا حول ذاته عند (بيناتيل) أو انطوائيا عند (أيزنك).
لقد رفضت المدرسة السلوكية جميع التفسيرات غير العلمية التي لا يمكن قياسها والتثبت من صحتها، لذلك ركزت على تكريس مفهوم أن السلوك الإنساني سلوك متعلم من خلال عمليات التفاعل مع الآخرين، واعتمدت في ذلك على دراسات العالم الفسيولوجي الروسي (بافلوف) وأبحاث العالم الأمريكي (واطسونWatson, 1878-1958) وكذلك العالم (سكنرSkinner) والتي ترى جميعا أن الإنسان يتعلم سلوكه من خلال ملاحظة رد فعل الآخرين على تصرفاته، فبما أن السلوك يحدث تحت تأثير مثير ما (Stimulus) فإنه سيستمر ويتكرر إذا ما حصل على تعزيز (Reinforcement)، أما إذا تم عقابه فإنه سينطفئ بالتدريج ولن يتكرر في الغالب.
وعلى هذا فإن السلوك الإجرامي سلوك متعلم ويمكن تعديله وفقا لقوانين التعلم، فالسلوك الإجرامي يعد خبرة اكتسبها الشخص بفعل المثيرات وتم تدعيم الاستجابة العدوانية بما يعزز لدى الشخص تكرار هذه الاستجابة العدوانية كلما تعرض لموقف محبط يثيره، ومثل ذلك (الفوبياPhobia ) بأنواعها تعد متعلمة ويتم علاجها وفقا للعلاج السلوكي، (Behavioral therapy)، هذه السلوكيات كلها سلوكيات متعلمة يمكن التحكم فيها ومنعها من الظهور من خلال هدم نموذج السلوك المنحرف الذي تم تعلمه وحضي بالتعزيز سابقا وإعادة بناء نموذج سلوكي مقبول اجتماعيا ومن ثم تعزيزه.
إنه على الرغم من وجود نقاط اختلاف بين علماء المدرسة النفسية شأنهم في ذلك شأن العلماء في جميع المدارس الأخرى في مجال العلوم الإنسانية بخاصة، فإنه يوجد قدر كبير من الاتفاق بينهم على أن هناك عوامل وأسبابا عقلية ونفسية مرضية تقف وراء جميع الأفعال الشاذة، فهم على سبيل المثال ينظرون إلى عدد من الأفعال على أنها تندرج ضمن العصاب القهري (compulsive Neurosis) ومن تلك الأفعال:
1-          المخاوف   (Phobias) وهي مخاوف وهمية لا أساس لها في عالم الواقع، ويرى السلوكيون أنها نوع من التعلم الشرطي السلبي انتقلت فيه الاستجابة من مثير أصلي إلى بعض الظروف المحيطة به فأصبحت هذه الظروف تحدث استجابة الخوف التي كان يحدثها المثير الأصلي، ومن الأمثلة على هذه المخاوف الخوف من الناس (Anthrophobia) ويمكن أن نستنتج في مجال الجريمة أن الشخص المصاب بالخوف من الناس على هذا النحو يندفع تحت وطأة هذا المؤثر القهري إلى مهاجمة الناس وإيذائهم والوقوف منهم موقف العداء.
2-          الوساوس المتسلطة (Obsessive-Reactions) وهي عبارة عن أفكار وخواطر تتسلط على ذهن المريض، ومن قبيل ذلك أن يتسلط على ذهنه فكرة أن الناس يتربصون به ريب المنون، فيندفع إلى بعض الأفعال التي يتصور أنه يدفع بها عن نفسه خطرهم المحدق، وربما تحدث بسبب هذه الوساوس المتسلطة كثير من الجرائم.
3-          الأفعال القسرية (Compulsive Reactions) وهذه الأفعال تحدث تحت تأثير قاهر لا يعرف المريض سببا له، ولا يكون له الخيار في القيام بها من عدمه، ومن قبيل ذلك سرقة شيء تافه من قبل شخص غني، ومن ذلك أيضا إحداث الحرائق وغيرها من الأفعال المناهضة للمجتمع.
4-          جنوح الأحداث (Juvenile delinquency) وهذا السلوك المتسلط يؤدي بالحدث إلى انتهاك معايير المجتمع دون سبب واضح للحدث نفسه.
5-          مس القتل وهي حالة من القسوة المريعة تجعل المريض يقتل دون تفكير بالعاقبة، ولا يشعر بأنه اقترف جريمة شنعاء.
6-          الانحراف (Deviation) وفي هذا النوع من الأفعال القسرية يتبدل السلوك السوي إلى اتجاه غير سوي بشكل لافت للانتباه ومثير للتساؤل.
7-          الاستحواذ (Obsession) وهو تسلط فكرة أو شعور معين على تفكير وذهن المريض بشكل مستبد لا يفارقه حتى ينفذ المريض ما يأمره به هذا الاستحواذ.
وفي كل هذه الأحوال فإن الاتجاه النفسي، بجميع مدارسه، يعطي للوقاية أهمية بالغة في حماية الأفراد من الأمراض النفسية، فالوقاية في نظر علماء النفس خير من العلاج، أما المرضى فيرى النفسيون أنه لا بد من إعادة تأهيلهم (Rehabilitation) بدنيا ونفسيا من خلال العلاج المناسب، وكذلك تأمين الشروط والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بهم، بعد إعادة التأهيل.
تفسير العقوبة في المدرسة النفسية:
مثلما أن النفسيين يؤمنون بان الوقاية (Prevention) خير من العلاج (Treatment) في مجال الأمراض النفسية، فإنهم يؤمنون بذلك أيضا في مجال الجريمة والعقوبة، إذ بقدر ما نحتاج إلى العلاج في مجال الأمراض النفسية وما ينتج عنها من اضطراب سلوكي نحتاج إلى الوقاية، على أنه من المسلم به أن الجهود الوقائية تقلل من كلفة الجريمة سواء من حيث الخسائر التي تسببها أو المصروفات التي تحتاجها برامج الإصلاح الموجهة للجناة (Rehabilitation) فضلا عن كونها تحول دون الآلام النفسية والبدنية التي تصيب الضحايا.
لقد صاغت المدرسة النفسية السلوك الإجرامي في إطار مرضي (Pathological) وهذا ما فرض – في إطار هذا العلم – أن تقوم السياسات الخاصة بالتعامل مع الجناة على أساس علاجي، وفي هذا تأكيد واضح على دور العوامل الفردية في حدوث الجريمة، مع أن علماء النفس لم يغفلوا دور العوامل الاجتماعية أيضا، فعلى سبيل المثال نجدهم عندما يعدون السلوك الإجرامي ناتجا عن جناح مراهقة كامن، فإنهم يعيدون ذلك إلى فشل اعترى عملية التنشئة الاجتماعية (Socialization) وبالتالي لا بد أن ينطوي رد الفعل إزاء جريمة تعود إلى هذا العامل، بالإضافة إلى العوامل النفسية والعقلية الأخرى، على تدخلات تشتمل على ثلاث عمليات رئيسة هي: (الوقاية، والعلاج، وإعادة التأهيل)(7) توجه الأولى من هذه العمليات إلى كافة أفراد المجتمع، وتوجه العمليتان الثانية والثالثة إلى الكبار والصغار من الجانحين والجناة في مختلف المؤسسات التي يوجدون بها، وهذه العمليات الثلاث متآزرة تماما فعملية إعادة التأهيل تدعم نتائج عملية العلاج، كما أن عملية الوقاية هي (الفلتر) أو (المرشح) الذي يحجز وراءه الكثير من الحالات السلوكية التي كان يمكن أن تصبح حالات مرضية وإجرامية تتطلب برامج علاجية وتأهيلية مكلفة، وفيما يلي توضيح هذه العمليات الثلاث(8):
العملية الأولى- الوقاية (Prevention):
أ- الوقاية من الدرجة الأولى: يمكن تعريف الوقاية في مجال علم النفس بصورة مبسطة بأنها كل عمل مخطط يقصد به الإعاقة الكاملة أو الجزئية لظهور مشكلة متوقعة صحية كانت أم اجتماعية، وتنقسم الوقاية وفق هذا المفهوم إلى ثلاثة أنواع هي:
النوع الأول- التوعية العلمية المباشرة وغير المباشرة بأنماط السلوك السيئ وعواقبه على الفرد والمجتمع.
النوع الثاني- تحديد الجماعات الأكثر تعرضا للإصابة (Risk groups) في ضوء عدد من المؤشرات مثل وجود تاريخ مرضي أو إجرامي سابق للأسرة، والتفكك الأسري، وضعف أساليب التنشئة الاجتماعية، وصعوبة الظروف الاقتصادية، والاختلاط برفاق من المضطربين والمنحرفين سلوكيا، وظهور علامات المرض ذات الصلة بالسلوك الإجرامي كالإدمان على الكحول والمخدرات، والاندفاعية والسلوك العدواني، وتتركز الجهود هنا على الحيلولة دون حدوث إصابات لمن هم أصحاء نفسيا وبدنيا وسلوكيا، والحيلولة كذلك دون تطور هذه المشكلات إلى حد الانغماس في السلوك الإجرامي.
النوع الثالث- الاكتشاف المبكر للحالات تحت الإكلينيكية (Sub clinical cases) والعناية بها.
ب- الوقاية من الدرجة الثانية (Secondary Prevention): وتتركز على التدخل العلاجي المبكر بعد الكشف عن الحالات المهيأة  للسلوك الإجرامي، وهذه الوقاية تعتمد على تدريب المحتاجين لها على كيفية الوصول إليها، وأن تكون في متناول كل من يحتاجها، ومن قبيل ذلك حديثو العهد بتعاطي المخدرات إذ إن من المؤكد أن الأشخاص الذين لا يزالون في مرحلة التجريب والاكتشاف هم أكثر استعدادا للتوقف عن التعاطي.
ج - الوقاية من الدرجة الثالثة (Tertiary Prevention): وهذا النوع من الوقاية يهدف إلى منع تحول المرض النفسي والسلوك الإجرامي إلى حالة مزمنة (Chronicity) وتقوم الأنشطة هنا على العلاج وإعادة التأهيل، والاستيعاب الاجتماعي للمفرج عنهم بخاصة، ولا شك أن التأهيل الاجتماعي في هذه المرحلة من الوقاية مهم جدا لأن بقاء المريض أو الجاني في المستشفى أو السجن أو المؤسسة الإصلاحية يفقده كثيرا من المهارات الاجتماعية (Social skills) ويجعله عرضة للنبذ من الأسرة والأقارب الذين كانوا يشكلون شبكة علاقاته الاجتماعية، وهنا يظهر التداخل بين العلاج والوقاية، فالعلاج هنا يقصد به وقاية المريض أو الجاني من الانتكاسة والتردي بدنيا ونفسيا وأخلاقيا.
وهناك أساليب وإجراءات تصلح للاستخدام في جميع هذه الدرجات الثلاث من الوقاية، وهي:
1-          العقوبة (Punishment) كوسيلة وقائية: وليس المقصود أن تكون العقوبة قاسية وإنما المقصود الخوف من العقوبة لدفع الفرد إلى تجنبها بالإحجام عن اقتراف الجريمة، ومن المهم جدا أن يعرف الفرد السلوك الذي سيعاقب عليه إذا فعله.
2-          التحويل (Diversion) كوسيلة وقائية: فمن المعتقد أن عدد الجانحين الكبار يقل كلما أُبعد الصغار الجانحون عن المحاكم، وحتى لو كان هذا الاعتقاد بحاجة إلى التقييم (Evaluation) فمما لا شك فيه أن هناك علاقة موجبة وطردية بين قسوة العقوبة وشدتها غير المبررة وبين ارتفاع معدلات الجريمة وبخاصة جرائم العود (Recidivism) كما أن هناك فروق دالة على أهمية التحويل بالنسبة للمبتدئين وصغار السن.
3-          البرامج الوقائية كوسيلة وقائية: فقد أظهرت الدراسات أن الجناة الذين خضعوا لبرامج إرشادية كانوا أقل اقترافا للجرائم من حيث العدد والفظاعة من مجموعة ضابطة لم تتلق مثل هذا الإرشاد، فبعض أفراد العينة الضابطة تحولوا إلى مجرمين خطرين وفصاميين (Schizophrenics) ومرضى هوس واكتئاب (Manic-Depressives) أو مدمني خمور (Alcoholics).
4-         المعالجة البيئية (Environmental Manipulation): فقد تم في إحدى التجارب تصميم برنامج للتعامل مع البيئة التعليمية لعدد من المراهقين بهدف تحسين مستوى تقدير الذات (Self esteem) على مدى ثلاثة أعوام فجاءت النتائج مؤكدة على أن أفراد المجموعة التجريبية أكثر تعاونا وشعورا بالراحة، وأقل ميلا للجناح، وفي تجربة أخرى على مجموعتين الأولى من غير الجانحين والثانية ممن لديهم جنوح مضاد للمجتمع (Anti Social behavior) جاءت النتائج لتؤكد على أن سلوك المراهقين الأسوياء الذين تلقوا إشرافا وإرشادا من قبل خبراء لم يتجه للانحراف رغم اختلاطهم بمراهقين منحرفين.            
العملية الثانية- العلاج (Treatment):
يقصد بالعلاج جميع إجراءات التدخل الطبي، والنفسي، والنفسي الاجتماعي، ومهما اختلفت أساليب العلاج فإن له ثلاثة أهداف رئيسة هي:
1-          الشفاء التام لكل الحالات إن أمكن.
2-          تخفيف الأعراض بالنسبة للحالات التي لم تشف تماما.
3-          تحقيق التوافق الاجتماعي.
وهناك نوعان من العلاج هما: العلاج الطبي والعلاج النفسي، وتفصيلهما على النحو الآتي:
1- العلاج الطبي (Medical Treatment): يغطي هذا النوع من العلاج النزيل خلال فترة إقامته في المؤسسة العقابية ويمتد إلى ما بعد انقضاء فترة العقوبة، ويشمل العلاج الطبي البدني (Physical) والعلاج الطبي النفسي (Psychiatric) والذي يشمل العلاج بالعقاقير أو الأدوية النفســية (Psychotropic) وكذلك العلاج الكهربائي والعلاج الجراحي.
2- العلاج النفسي (Psychotherapy): يهتم العلاج النفسي في المؤسسات العقابية بلنزلاء من مرضى العصاب والذهان وذوي المشكلات الانفعالية الحادة مع التركيز على اللاشعور في حالة العلاج وفق نظرية التحليل النفسي بخاصة.
ويمكن تعريف العلاج النفسي بصورة عامة بأنه نوع من العلاج تستخدم فيه الطرق النفسية لعلاج الاضطرابات والأمراض ذات الصبغة الانفعالية والتي يعاني منها المريض وتؤثر في سلوكه، ويتم هذا العلاج بهدف إعادة تنظيم مكونات شخصية المريض.
ويتضمن العلاج النفسي أربعة أساليب رئيسة هي: (العلاج السلوكي المعرفي- العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي- العلاج الجمعي – العلاج وفق نظرية التحليل النفسي):
الأسلوب الأول- أسلوب العلاج السلوكي المعرفي: ويشمل هذا النوع من العلاج مجموعة من المبادئ والإجراءات مؤداها أن العمليات المعرفية تؤثر على السلوك، وأن هذه العمليات تتغير من خلال الفنيات السلوكية والمعرفية، وينطوي هذا الأسلوب على افتراضين رئيسين هما:
أ‌-             أن العوامل المعرفية الرئيسة (التفكير – الصور الذهنية – الذكريات –التخيلات) تشكل أساس العلاقة بالسلوك المختل وظيفيا.
ب‌-          يمثل تعديل هذه العوامل محورا مهما لإحداث التغير في السلوك، وهذا يتطلب إنجاز المهام الآتية من قبل المعالج والمريض:
1-          تحديد الأفكار والتحليلات ذات العلاقة بالخبرات المؤلمة وتقويمها.
2-          تصحيح التشوهات المعرفية حتى تصبح معارف موضوعية.
3-          تدريب المريض على استراتيجيات سلوكية ومعرفية واقعية.
إن العلاج السلوكي المعرفي يستند على أساس نظري موضوعي مفاده أن الطريقة التي يحدد بها الأفراد بنية خبراتهم تحدد كيف يشعرون وكيف يسلكون، ومن قبيل ذلك أنهم إذا فسروا موقفا على أنه خطر فإنهم يشعرون بالقلق والرغبة في الهروب حتى وإن كانت حقيقة هذا الموقف لا تمثل خطرا عليهم، ومن هنا فإنه ينبغي التركيز في العلاج السلوكي المعرفي على المعارف الآنية (الحالية) أكثر من التركيز على الماضي كسبب للاضطرابات الحالية، ويعد العلاج السلوكي المعرفي ناجحا بقدر ما حققه من تعديل للسلوك المستهدف بما في ذلك الأفكار والمعتقدات من خلال المهام الثلاث السابقة.
الأسلوب الثاني- أسـلوب العلاج العقلاني الانفعالي السـلوكي (Rational-Emotive Behavior): يعرف هذا النوع من العلاج بأنه أسلوب من أساليب العلاج النفسي يستند على نموذج فلسفي أكثر منه على نموذج نفسي.(9)
يقوم هذا الأسلوب العلاجي على مبدأ مؤداه أنه بالرغم من أن العميل يستبصر بالأحداث التي مرت به في طفولته ويفهمها ويربط بينها وبين اضطراباته الانفعالية الحالية فإنه نادرا ما يتخلص من الأعراض التي يشكو منها، وإذا ما حدث أن تخلص منها فإنه يبدأ في المعاناة من ظهور أعراض أخرى جديدة، ويرى (أليس) أن السبب في ذلك يعود إلى أن الفرد قد نشأ على أفكار لا عقلانية من جانب، و من جانب آخر يعيد غرس هذه الأفكار اللاعقلانية في نفسه.
ترى نظرية العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي أن السلوك الانفعالي للفرد ينتج عن حواره الداخلي وأفكاره ووجدانه حول موضوع معين، إذ يفكر بكلمات وجمل ذاتية فتتشكل انفعالاته وسلوكه في موقف معين من حصيلة هذا الحوار بما فيه من أفكار ومعتقدات، ومن هنا فإن تفكير الفرد وتفسيره للأحداث والخبرات التي يمر بها هي المسؤولة عن اضطرابه الانفعالي وليس الحوادث أو الخبرات ذاتها، وعلى هذا يكون الشخص هو المسؤول إلى حد كبير عن خلق اضطرابه الانفعالي من خلال تمثله للأفكار والقيم غير العقلانية، ومنها:
1-          يجب أن أكون محبوبا من الجميع وأن تنال كل أقوالي وأفعالي استحسان الآخرين وقبولهم.
2-          لا بد أن يعاملني الآخرون بعدالة وبصورة تراعي مشاعري تماما.
3-          لا بد أن تسير الأمور كما أهوى وأن تكون كل حياتي سهلة وسارة.
4-          لا يمكنني تحمل أن تسير الأمور على النحو الذي لا أريده.
هذا بالإضافة إلى المبالغة وأخطاء الحكم والاستنتاج والتفسير بسبب التسرع وعدم توافر المعلومات الكافية.
إن المهمة الأساسية للمعالج بأسلوب العلاج العقلاني الانفعالي السـلوكي مع النزيل هي الحوار وبيان الجوانب الخاطئة في تفكيره، ودفعه إلى استنتاج الطرق الصحيحة في الحياة وتطبيقها، ويتم ذلك من خلال الفنيات العلاجية الآتية:
1-          العلاج الموجه الفعال (Active directive therapy): وفي هذه الفنية العلاجية يكون العلاج موجها بشكل إيجابي نحو تخليص النزيل من قهر الذات الانهزامية التي اكتسبها منذ الطفولة.
2-          الجدل والإقناع (Disputing and persuasion): وهنا يعمل المعالج على توضيح كيف أن بعض معتقدات النزيل غير عقلانية وأن التمسك بها هو مصدر آلامه وأن التخلي عنها هو الخطوة الأولى نحو السواء، ولتحقيق هذا الهدف لا بد أن يتمتع المعالج النفسي بالقدرة على الدحض والإثبات.
3-          الواجبات المنزلية (Home work): إذ يتم توجيه النزيل إلى تنفيذ برنامج من التمرينات والتدريبات المرتبطة بالتفكير والتخيل والتصور، وتكرار بعض المعلومات وحل بعض التمرينات الهادفة إلى تنمية القدرة على التفكير العقلاني.
4-          الإهانة أو القصد (Insult or Intent): وهنا تتم مساعدة النزيل على ألا يأخذ إهانات الآخرين بجدية مبالغ فيها، فمن الثابت أن إدراك بعض الأفراد لنوايا الآخرين بأنها تقصد إيذاءهم أو الحط من قدرهم تؤثر فيهم أكثر من القدر الحقيقي للأذى الذي سببه لهم الآخرون.
5-          تفريغ الانفعالات المختلة وظيفيا (Abreaction of dysfunctional emotions): إذ ينبغي أن يعمل المعالج على مساعدة النزيل على تفريغ انفعالاته وتنفيسها ومن ثم الرفع من قدرته على ضبط الغضب والتحكم في الذات وإحلال أفكار أكثر عقلانية تجاه الذات والآخرين، الأمر الذي سيساعد على تحسين الصحة النفسية لديه وبالتالي خفض درجة غضبه وعدوانه.
6-          اختيار الطرق الإيجابية لتعديل السلوك (choose of behavioral changes): إذ يعمل المعالج العقلاني على تنمية مهارات انتقاء السلوك المقبول اجتماعيا من خلال تدريب النزلاء على توجيه الرغبة والإرادة وتحويلها من شبه الجبرية إلى الضبط والاختيار.
7-          ضبط النفس (Self control): وفي هذا الجانب يعمل المعالج على مساعدة النزيل على التحكم في الذات بدلا من سيطرة الآخرين عليه، لأن هذا التحكم يتيح له قدرا أكبر من فرص تعديل الانفعالات والسلوك.
8-          تنمية مهارات التعامل مع مصادر التأزم والتهديد (distress and threat): يزود المعالج النزيل بتكنيكات توكيدية للذات ويكسبه مهارات فعالة للمواجهة العقلانية، الأمر الذي يعدل من عدوانيته التي كانت تسيطر على سلوكه عندما يقابل بمصادر تهديد، وهي عدوانية ناتجة عن اعتقاده بأنه لا يستطيع المواجهة، وهو اعتقاد مشوه في الغالب.
9-          تحويل الفكر أو تشتيته (Diversion or Distraction): فالفرد بصفة عامة يميل إلى تركيز فكره على شيء واحد وفي وقت واحد كالفشل والإحباط والخوف، ومهمة المعالج النفسي هنا هي تزويد النزيل بمهارات التحويل المعرفي أو تشتيت هذا الفكر المسيطر إلى معارف غير مسببة لاضطراب السلوك كالاسترخاء وتذكر المناسبات السارة.
10-      التعليم والمعلومات (Education and information): من مهام المعالج العقلاني أن يزود النزيل بمهارات الاستبصار بما فعله لإزعاج نفسه وإزعاج الآخرين حتى يتمكن من تجنب الاضطرابات السلوكية الناجمة عن كل ذلك.
11-      الإيحاء والإيحاء المنوم (Suggestion and hypnotic Suggestion): يعاني بعض الأفراد بصورة عامة من القابلية للاستثارة من خلال إيحاءات الآخرين مما يؤثر على سلوكهم وانفعالاتهم، ومهمة المعالج العقلاني أن يخفض من مستوى هذه القابلية لدى النزيل من خلال تدريبه على اكتساب قدر أكبر من التأثر بفكره هو على أساس واقعي وعقلاني أكثر من تأثره بإيحاءات الآخرين.
12-      صياغة النموذج والتقليد (Modeling and imitation): من المعلوم أن لدى الناس استعدادا فطريا ومكتسبا لتقليد الآخرين ومحاكاتهم في أفكارهم وانفعالاتهم وتصرفاتهم(10)، ومن هنا تكون مهمة المعالج النفسي في مجال الجريمة والعقوبة هي تدريب النزيل على انتقاء السلوكيات الإيجابية وتقليدها، ونبذ انتقاء السلوكيات السيئة، ومن المفيد جدا لو استطاع النزيل انتقاء أنموذج إيجابي من الآخرين الذين لهم أثر في حياته.
13-      حل المشكلات (Problems solving): إن الإنسان بطبعه يميل إلى حل المشكلات، فإذا لم يكن يمتلك المنحى المعرفي المناسب فإنه يصاب بالاضطرابات الانفعالية واختلال السلوك وظيفيا، ومن ثم العجز عن حل ما يعترضه من مشكلات وبالتالي اللجوء إلى السلوك المنحرف، ومهمة المعالج النفسي العقلاني أن يزود النزيل بالمهارات والأساليب الصحيحة لحل المشكلات لأن ذلك سيخفض من توتره وانفعاله ويحسن من أدائه بما يحد من وقوعه في الانحرافات السلوكية(11).
14-      لعب الدور والإلقاء السلوكي (Role playing and behavioral rehearsal): يستطيع المعالج النفسي أن يحلل كثيرا من المشاعر المثارة في أثناء تمثيل الدور ومن ثم مساعدة النزيل على اكتساب خبرات ومشاعر إيجابية عن تلك الأدوار، وهذه الفنية العلاجية مفيدة جدا للمراهقين وغيرهم ممن لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم بالكلام، يضاف إلى ذلك أن لعب الدور يعمل على تنفيس الطاقة الزائدة عند النزيل، وهو أيضا تدريب وتهذيب للغرائز، وفي كل الأحوال فإن لعب الدور يمثل مخرجا وعلاجا لمواقف الإحباط في الحياة اليومية التي مر ويمر بها النزيل، كما أنه ينمي قدرته على المشاركة والتفاعل مع الآخرين.
الأسلوب الثالث- أسلوب العلاج الجمعي أو الجماعي (Group Therapy):
يقوم هذا الأسلوب الجماعي على إجراء لقاءات جماعية للجناة مع المعالج الذي يقوم بدور المناقشة، لأن سماع النزيل لمشكلات الآخرين وكيف يقومون بحلها يؤدي إلى تصريف انفعالاته وعلاج اضطرابه السلوكي، فالنزلاء، بوصفهم مرضى، يساعد بعضهم البعض على إخراج مصاعبهم الدفينة إلى سطح الحياة.
وخلال العلاج الجماعي يستطيع النزيل أن يعبر عن صراعاته ويحصل على التقبل من أمثاله ويشعر بالانتماء، وهذا يؤدي إلى زيادة احترامه لنفسه وشعوره بأنه ليس الوحيد في معاناته، بل إن هناك من يشاركه في آلامه ومساعيه للتغلب عليها.
وبالإضافة إلى مزايا العلاج الجمعي هذه يوجد ثلاث ميزات رئيسة أخرى لهذا الأسلوب العلاجي هي:
1-          يتميز بالاقتصاد في الوقت المطلوب للعلاج، فالمعالج يستطيع مساعدة عدد من المضطربين في آن واحد.
2-          ينمي العلاقات الاجتماعية ويبني مهارات العمل ضمن الجماعة ويحسن التوافق الاجتماعي.
3-          توفر الجماعة خبرات الاتصال والتفاعل مع الآخرين وهذا ما يفتقر إليه النزيل، ويخلو منه أسلوب العلاج الفردي.
الأسلوب الرابع- أسلوب العلاج وفق نظرية التحليل النفسي:
يتم من خلال هذا النوع من العلاج استكشاف المواد المكبوتة في اللاشعور من أحداث وخبرات وذكريات مؤلمة ودوافع متصارعة واستدراجها إلى حيز الشعور ومن ثم مساعدة النزيل في حلها على ضوء الواقع وتنمية استبصاره بها، ولهذا النوع من العلاج هدف رئيسي هو إعادة بناء شخصية النزيل بشكل سليم عبر جملة من الإجراءات، ومنها:
1- المقابلة الأولى: وفيها ينبغي أن يكون المعالج مؤهلا وخبيرا بالتحليل النفسي، وأن يتأكد بعد ذلك أن النزيل وحالته يصلحان للتحليل النفسي ومن ثم يعطى النزيل معلومات عن عملية التحليل مثل الجلسات، والوقت الذي ستبدأ فيه والذي ستستغرقه، ووسائل التحليل وأهدافه، وحين تبدأ جلسة العلاج فإنه ينبغي أن تتم وفق فنيات التحليل النفسي المتعارف عليها.
2- العلاقة العلاجية الدينامية: وهنا لا بد أن يشعر النزيل أن المعالج قد تقبله لأن هذا الشعور سيجعله يتقبل نفسه بالتالي، ولا بد أن تكون اتجاهات المحلل متناسبة مع اتجاهات النزيل بقدر المستطاع، وأن لا يوجه المعالج أي نقد للجاني ولا يتخذ دور الرقيب أو الناصح فيما يتعلق بالحياة الخاصة للجاني، وأن يضع المحلل مشاعره جانبا وأن يتسم بالذكاء وسرعة البديهة وأن يجيد الإصغاء والصمت والملاحظة، كل ذلك وصولا إلى تكوين علاقة علاجية سليمة مع النزيل.
3- التفريغ أو التطهير الانفعالي: وفي هذا الإجراء يقوم المعالج بحث النزيل على تذكر الخبرات والحوادث الشخصية الماضية واسترجاع الدوافع والذكريات والصراعات بمصاحباتها الانفعالية، وتؤدي عملية التفريغ هذه إلى فهم المحلل للمكبوتات التي أدت إلى العصاب والاضطرابات السلوكية، كما أنه يعمل على الاختفاء التدريجي للعصاب، ومن هنا يكون هذا الإجراء عملية علاجية فعالة.
4- التداعي الحر: يعد هذا الإجراء خطوة رئيسة في عملية العلاج وفق نظرية التحليل النفسي، فعندما يحث المعالجُ النزيل على إطلاق العنان لأفكاره وخواطره واتجاهاته وصراعاته ورغباته دون تحفظ فإنما يمهد الطريق لاستخراج المكبوتات في اللاشعور ومن ثم يقوم المعالج بتحليلها ومساعدة النزيل على الاستبصار بها وقد كان لا يعيها من قبل، وهذا الإدراك يسهم بشكل فاعل في فهم ماضي النزيل وحاضره ومن ثم السيطرة على القلق وانحراف السلوك وبالتالي التخطيط للمستقبل.
5- التفسير التحليلي: من المؤكد أن كثيرا مما يقوله النزيل ليس سوى واجهة تخفي وراءها أشياء أخرى(12)، لذلك يتطلب الأمر أن يقوم المحلل باستنتاج المعاني الكامنة وتفسيرها على ضوء معرفته النفسية وخبراته العملية ومعطيات الثقافة السائدة في بيئة النزيل، ولا بد أن يكون التفسير كاملا وصحيحا ومنطقيا كمتطلب ضروري لإحداث تغيير في إدراك النزيل للأشياء ومشاعره تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وتنمية بصيرته ومساعدته على حل مشـاكله، وترويض قلقه، وكشـف صراعاته وحلها، ومن ثم تعليمه وإكسـابه عادات جديدة.
العملية الثالثة- إعادة التأهيل (Rehabilitation):
يوجد مسار متصل بين عملية العلاج وعملية إعادة الـتأهيل، فمنذ الخطوة الأولى في عملية العلاج ينبغي أن يعي الشخص المعالج أن هناك هدفا مهما يسعى الكل إلى تحقيقه من خلال هاتين العمليتين ألا وهو إعداد النزيل للاندماج في المجتمع من جديد، وهذا يتطلب الإيمان بأن تغيير سلوك النزيل إلى سلوك مستقيم أمر ممكن من خلال عملية العلاج وعميلة إعادة التأهيل، والإيمان كذلك بأن الفشل في تحقيق هذا الهدف يعني تعرض النزيل للنبذ الاجتماعي وبالتالي عودة هذا النزيل إلى السلوك الإجرامي.
إن إعادة التأهيل في نظر علم النفس عملية يتم من خلالها التغلب على حالة فقد المهارات الاجتماعية التي تصيب النزيل جراء بقائه في المؤسسات الإصلاحية، وهذه العملية في مجملها تضطلع بمهمة إعداد النزيل بما يجعله أهلا للاستيعاب في الوسط الاجتماعي مع التركيز على مجال العمل، وتتم عملية إعادة التأهيل هذه في المؤسسات العقابية غالبا ومن خلال الخدمات الآتية:
أولا- إعادة التأهيل الصحي:
يأتي كثير من المسجونين وهم مصابون بأمراض مختلفة كمرض السُكَّري وأمراض القلب وجهاز الدورة الدموية، أو الأوبئة والديدان، والهزال الناتج عن نقص العناصر الغذائية، أو أمراض اللثة والأسنان، أو الالتهابات الحادة في أجهزتهم التنفسية والهضمية وغيرها. وقد يصاب السجناء بهذه الأمراض وغيرها داخل السجن، مثل الرمد والدرن والتهاب الكبد الفيروسي، والتقرحات الجلدية المتقيحة الناتجة عن الإصابات أو عن تنفيذ عقوبة الجلد. لذلك يبرز عِظَم المهمات الملقاة على عاتق الخدمات الطبية، إذ ليس من الممكن أن تتم المحافظة على الحالة الصحية لمئات من البشر يعيشون تحت سقف واحد، وفي ظل ظروف بيئية خاصة دون توافر الأطقم البشرية المتخصصة، والأجهزة والأدوية والمواد الطبية الكافية. وفي هذا المجال يقوم الطاقم الطبي بالدور العلاجي للأمراض التي قدم السجناء وهم مصابون بها، وبالدور الوقائي عن طريق التحصينات والرش الميداني والتوعية الصحية. ويقع على المراقبين الصحيين في السجون جانب كبير من المسؤلية الأخلاقية في مراقبة تنفيذ الشركات والمؤسسات القائمة بأعمال الصيانة والنظافة لبنود العقود المبرمة بينها وبين الإدارة المشرفة على السجون وشروطها. ويضطلع  أخصائي التغذية بمسؤلية الحرص على تقديم الوجبات الغذائية الكافية نوعا وكما ومراقبة سير عمل الشركة المنفذة لعقد تغذية السجناء .
ثانيا- التوجيه والإرشاد النفسي (Counseling and Guidance):
من الصعب جدا الفصل بشكل تام بين مصطلحي الإرشاد والتوجيه سوى في بعض جوانب بسيطة، لذلك يمكن القول إن هذين المصطلحين يعبران عن معنى واحد مشترك، فكل من التوجيه والإرشاد يتضمن الترشيد والهداية والتوعية والإصلاح وتقديم الخدمات والمساعدة والتغيير السلوكي إلى الأفضل، وكل من التوجيه والإرشاد مترابطان فهما وجهان لعملة واحدة وكل يكمل الآخر، غير أنه أحيانا ما ينظر إلى التوجيه على أنه يتم بشكل جماعي كالتوجيه إلى الصحة النفسية، بينما ينظر إلى الإرشاد على أنه عملية فردية كالإرشاد إلى العلاج النفسي أو مهنة من المهن، كما أن الإرشاد يعتبر خاتمة لبرنامج التوجيه أي أنه يلي التوجيه ويكمله. وفي مجال الجريمة والعقوبة نجد في الغالب أن المشكلة الرئيسة التي تترتب على المحاكمة والإدانة هي اختلال شبكة العلاقات الاجتماعية وربما فقد الوظيفة أيضا، لذلك فإن أهم مجال يتعين على المرشد بذل الجهود في اتجاهه هو المجال الاجتماعي والمهني، ولا يعني ذلك أن يقتصر عمل المرشد على هذا المجال بل لا بد أن يفهم ويعالج المشكلات الخاصة بتوافق النزيل من جميع الجوانب النفسية والتربوية والمهنية والاجتماعية والأسرية والسلوكية، وهذا يتناول شخصية النزيل بالدراسة المتخصصة جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا ومهنيا، بهدف تمكينه من فهم ذاته ومشكلاته، والمشاركة الفعالة في التخطيط لتعديل سلوكه وتنمية قدراته وتحقيق ذاته والتوافق مع نفسه ومع مجتمعه. إن التوجيه والإرشاد هو العمود الفقري في تعديل سلوك النزلاء، وهو إذا فشل فإن مصير جميع الجهود الإصلاحية الأخرى سيكون الفشل الذريع، لذلك لا بد أن تكون مخططة وشاملة ومستمرة ضمن جهود الرعاية اللاحقة إلى أن يستغني عنها النزيل وتنتظم أمور حياته، ويفهم على وجه الدقة كيف يستفيد استفادة مثلى من خدمات العلاج والتوجيه والإرشاد النفسي. ولا ريب أن التوجيه والإرشاد النفسي في مجال الجريمة والعقوبة ليس عملا عشوائيا أو ثانوي الأهمية، بل هو علم وفن يقوم على مبادئ تتعلق بالسلوك البشري والنزلاء وعملية الإرشاد  ذاتها على النحو الآتي:
المبدأ الأول- المسؤولية المهنية: وتتضمن هذه المسؤولية التزام المرشد تجاه سبع جهات كالآتي:
1-          المسؤلية تجاه النزيل: وتتضمن حمايته ومساعدته على تحقيق أهدافه وتنمية قدراته لتحمل مسؤلياته، وكذلك حفظ سره واحترام مصالحه وشخصيته.
2-          المسؤلية تجاه المهنة: وتتضح في المحافظة على سمعة المهنة ومعاييرها، والمحافظة كذلك على مستوى عال من الكفاءة المهنية من خلال متابعة كل جديد في مجال العلوم ذات الصلة بمهنة التوجيه والإرشاد النفسي.
3-          المسؤلية تجاه ذوي النزيل: وهذه المسؤلية تتوقف على طبيعة الحالة، فبعض النزلاء لا يرغب في إطلاع ذويه على مشاكله، غير أن حالة بعضهم تتطلب تدخل ذويه لاستقاء بعض المعلومات منهم ومن الأقارب والأصدقاء.
4-          مسؤلية المرشد تجاه نفسه: فلا بد للمرشد من المحافظة على حياته وسمعته، إذ إن بعض النزلاء قد يشكل خطرا كبيرا على من حوله بمن فيهم المرشد، ولا بد كذلك أن يكون المرشد واعيا بخصائصه الشخصية ودوافعه وقيمه وقيم عمله.
5-          المسؤلية تجاه المؤسسة الإصلاحية: ومن قبيل ذلك احترام ميثاق المؤسسة وقيمها ومبادئها ونظامها وسمعتها.
6-          المسؤلية تجاه جهات التحويل: ومن ذلك تزويدها بتقرير مفصل عن حالة النزيل، وعن كل ما يستجد بشأن موضوع التحويل.
7-          المسؤلية تجاه المجتمع: وتظهر في مدى إسهام المرشد في حل مشاكل النزلاء لأن ذلك ينعكس إيجابيا على المجتمع، ومن ذلك أيضا حماية المجتمع من أي خطر قد يشكله النزيل مستقبلا.
المبدأ الثاني- الثبات النسبي للسلوك الإنساني:
يعد هذا المبدأ من أهم المبادئ في عملية التوجيه والإرشاد النفسي، فالسلوك خاصية أولية من خصائص الإنسان ويتدرج من البسيط كالسلوك الانعكاسي، إلى المعقد كالسلوك المقصود والمخطط له كالسلوك المرتبط بالتفاعل الاجتماعي، والسلوك الإنساني في جملته مكتسب من التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم، ومن هنا يكتسب صفة الثبات النسبي أي التشابه في مختلف مراحل العمر، وفائدة هذا في عملية التوجيه والإرشاد النفسي الموجهة للجناة أن النزيل لا بد أن يظل يحمل بذرة السلوك المستقيم ومهمة المرشد أن يستثير هذه البذرة ويعيد تنميتها.

المبدأ الثالث- إمكانية التنبؤ بالسلوك: 

وينطلق هذا المبدأ من حقيقة أنه إذا كان السلوك الإنساني ثابتا نسبيا فإنه يمكن التنبؤ بالسلوك إذا افترضنا تساوي الظروف والمتغيرات، وهنا ينبغي على المرشد أن يدرس عينة من سلوك النزيل في ظل الظروف والمتغيرات التي حدث خلالها ذلك السلوك المنحرف ومن ثم العمل على تغيير الظروف التي دفعت به إلى السلوك الإجرامي.

المبدأ الرابع- حق النزيل في تقرير مصيره:

وهذا المبدأ في مجال توجيه النزلاء وإرشادهم يبدو مقيدا، أما الحقيقة فهي أن المرشد الفطن يستطيع تفعيله؛ فالتوجيه والإرشاد في أساسه ليس حلولا جاهزة وإنما خدمة مساندة لقرار يتخذه النزيل بالاستفادة من المساعدة الإرشادية، لهذا فلا بد من إشراك النزيل في حل مشاكله ورسم مستقبله بمزيد من الاستبصار بقدراته والظروف السائدة في مجتمعه.

المبدأ الخامس- سرية المعلومات التي يفضي بها النزيل إلى المرشد:
وهنا نجد أن سرية المعلومات من الأخلاقيات الأساسية في عملية التوجيه والإرشاد النفسي بشكل عام، لكنها تصبح أكثر إلحاحا في مجال تعديل السلوك المنحرف، وتصبح كذلك من أصدق المحكات التي تبين نزاهة المرشد، فقد يَطْلُبُ منه بعض المحققين محاولة معرفة بعض أسرار العميل لاستخدامها ضده في التحقيق، وفي هذه الحالة ينبغي على المرشد أن يوضح لجهات التحقيق أن عملية التوجيه والإرشاد النفسي منفصلة تماما عن عملية التحقيق، وأن النجاح في مهمته يتطلب منه المحافظة على أسرار النزيل لأن الخسارة الناجمة عن فشل عملية التوجيه والإرشاد تفوق بكثير الخسارة الناجمة عن رفض تزويد المحقق بأية معلومات ليست في صالح النزيل. هذه السرية للمعلومات في عملية التوجيه والإرشاد النفسي مهمة جدا إلى حد أنه لا يجوز التسجيل الصوتي للجاني إلا بموافقة واضحة منه، هذا فضلا عن تسريب شيء من المعلومات السرية لهذه العملية، وبشكل أدق فإنه لا يجوز للمرشد استخدام شيء من المعلومات التي جمعها خلال عملية الإرشاد والتوجيه النفسي إلا لمصلحة النزيل وبموافقته.
    وهناك حالات تصبح فيها هذه السرية نسبية كالحالات التي لا بد فيها من إطلاع الوالدين وبخاصة إذا كان النزيل حدثا، وحالة فريق العمل، والحالات التي يتسبب فيها التمسك بهذه السرية في مضرة للجاني، وفي كل الأحوال فإنه ينبغي تضييق نطاق البوح بأسرار النزيل إلى الحد الذي لا تظهر فيه إلا لأغراض تتعلق بمصلحته فحسب.
المبدأ السادس- السلوك فردي – جماعي:
إن سلوك الإنسان فردي وجماعي في الوقت نفسه إلى درجة حتمت ظهور علم النفس الاجتماعي إلى جانب علم النفس الفردي، فحتى سلوك الإنسان وهو لوحده يظهر عليه تأثير الجماعة، كما أن السمات الاجتماعية تتدخل في تشكيل شخصيته إلى جانب السمات الجسمية والعقلية والانفعالية، ولهذا كله فإن عملية التوجيه والإرشاد النفسي وهي تحاول تعديل سلوك النزيل، لا بد أن تأخذ في الحسبان شخصيته واتجاهاته، والمعايير والأدوار والقيم الاجتماعية السائدة في مجتمعه، وما لم يوازن المرشد بين شخصية النزيل كفرد والمجال الاجتماعي الذي يعيش فيه فإنه لن يُكتب النجاح لعملية التوجيه الإرشاد النفسي التي يقوم بها تجاه هذا النزيل.
المبدأ السابع- العلمية والموضوعية:
التوجيه والإرشاد النفسي خدمات متخصصة تحتاج إلى العلم والخبرة والتأهيل، والمعرفة بالمهارات اللازمة لتأدية هذه العملية الشاقة، ويحتاج كل ذلك إلى تنمية أكاديمية وبحثية، ولابد لمن يمارس هذه المهنة مع النزلاء أن يكون قد حصل على المؤهلات الكافية والخبرة الدقيقة بأحوال النزلاء.
وفي الجانب الموضوعي نجد أنه لا بد أن تكون العلاقة بين المرشد والنزيل علاقة مهنية فحسب، فلا تتطور إلى علاقات أخرى وبخاصة عندما يكون النزيل من غير جنس المرشد، كما لا يجوز أن يعرض المرشد خدماته بشكل يهين هذه المهنة، أو يقدم وعدا بتحقيق مصلحة للجاني خارج حدود هذه المهنة.
المبدأ الثامن- الفروق الفردية:
من المسلم به أن الناس يختلفون في كافة مظاهر شخصياتهم الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية، وهذا حاصل حتى في التوائم المتماثلة، وفائدة التقيد بهذا المبدأ لعملية التوجيه والإرشاد النفسي أن بعض العوامل قد تسبب مشكلة لدى أحد النزلاء بينما لا تكون مشكلة بالنسبة لجان آخر، وعلى سبيل المثال نجد أن معرفة أحد الجناة بأن كارثة قد حلت بأسرته يمكن أن تهدم شخصيته بينما مثل هذا الحدث قد يصقل شخصية جان آخر، وعلى هذا المفهوم للفروق الفردية تتعدد طرق التوجيه والإرشاد النفسي، فليس هناك طريقة واحدة تناسب كل النزلاء، ومن أكثر الفروق الفردية وضوحا، الفروق الفردية بين الجنسين لكون التنشئة الاجتماعية تتم على أساس اختلاف أدوار الجنسين في الحياة، كما أن كثيرا من المهن ترتبط بالجنس، يضاف إلى ذلك عامل العمر فهناك مطالب وحاجات مرتبطة بمراحل النمو ومستوى الطموح، ولا بد للمرشد من الإلمام بكل ذلك، ومن المهم أيضا أن يحدد المرحلة العمرية التي بدأ تعثر النزيل عندها كمعلومة مهمة من تاريخ الحالة، لهذا كله لا بد للمرشد من معرفة مطالب كل من مرحة الطفولة ومرحلة المراهقة ومرحلة الرشد ومرحلة الشيخوخة على اعتبار أن عدم تحقيق مطالب النزيل في أي من هذه المراحل قد لعب دورا في شقائه وفشله، وساهم في دفعه إلى اقتراف السلوك الإجرامي، وربما لعب دورا كذلك في عودته إلى السلوك الإجرامي.
المبدأ التاسع- الحق في التوجيه والإرشاد:
إن الحصول على التوجيه والإرشاد النفسي حق من حقوق الأفراد، وهو في مجال تعديل سلوك النزلاء مطلب أساسي لأمن المجتمع واستقراره، لهذا ينبغي أن لا يُنظر إليه على أنه من قبيل الصدقة والإحسان فهو حق إنساني ومطلب أمني يجني المجتمع ثماره بخاصة ويعاني من عواقب فشله.
المبدأ العاشر- الترابط بين الصحة النفسية والصحة الجسمية للجاني:
هذا المبدأ من الأسس العصبية والفسيولوجية لعملية التوجيه والإرشاد النفسي، فإذا أريد للجاني أن يكون صحيح البدن فلا بد من الاهتمام بصحتة النفسية، فالإنسان يسلك كوحدة نفسية جسمية متكاملة تتبادل التأثير والتأثر المتوازن، ومما يزيد من أهمية التنبه إلى هذا الترابط أن الجسم هو الوسيط بين البيئة الخارجية وبين الذات ككيان نفسي، لهذا فإن المرشد النفسي يحتاج إلى دراية ومعرفة نفسية فسيولوجية ضمن تأهيله الأكاديمي والتدريبي النظري منه والعملي.
ويأتي على القدر نفسه من أهمية التوجيه والإرشاد النفسي ذاته مرحلة إنهاء هذه العملية، فالإنهاء قد يكون بسبب إتمام هذه العملية ووصول النزيل إلى مرحلة الاستغناء عنها، وقد يكون الإنهاء راجعا إلى تفاقم الحالة ومن ثم تحويل النزيل إلى المعالجة الطبية العضوية أو النفسية. وفي كل الأحوال، فإن مرحلة الإنهاء تحتاج إلى مهارة كتلك التي بدأت وأنجزت بها عملية التوجيه والإرشاد النفسي، فهذه المرحلة قد تكون مؤلمة أو تسبب صدمة للجاني، وقد تحدث انتكاسة إذا لم يكن المرشد محترفا ومتدربا بشكل جيد على إنهاء عملية التوجيه والإرشاد النفسي بالأسلوب المناسب.
ويأتي على القدر نفسه من الأهمية مرحلة المتابعة، فهي جزء مكمل لعملية التوجيه والإرشاد النفسي وستكون عملية الإرشاد ناقصة بدونها، وينبغي أن تتم المتابعة من خلال الاتصال التليفوني أو المراسلة، أو من خلال حضور المفرج عنه لمقابلة المرشد، وقد تمتد المتابعة إلى الأسرة والمدرسة ومكان العمل.
ثالثا- إعادة التأهيل الديني والتعليمي والثقافي للجاني:
ففي مجال التأهيل الديني يتم جذب النزيل إلى رحاب الإيمان والتوبة، و إعلاء القيم الروحية وما يرتبط بها من سلوكيات بطرق سهلة بعيدة عن التعصب والنقد المباشر. 
وفي المجال الديني لابد من مراعاة أن بعض النزلاء يعانون من حالة انهزام نفسي تجعلهم قابلين لاعتناق الإيحاءات، فتربتهم أكثر خصوبة لإنبات مفاهيم الكره والتطرف والإرهاب تجاه مجتمعهم ونظمه، نظرا لما يعتقدون أنه قد أصابهم من ظلم وإرهاصات، وهنا ينبغي على الواعظ الديني أن يتجنب استعمال عبارات تنطوي على نقد مباشر لسلوك أحد السجناء، أو استعمال عبارات الشتم مثل: أعداء الله والدين، أعداء الأمن، أعداء الإسلام والمسلمين، أعداء أنفسهم.
ولعل أفضل طرق الوعظ والإرشاد داخل المؤسسات العقابية التي يوجد بها النزلاء أن يركز الواعظ على توضيح كيف أن باب التوبة مفتوح، وكذلك بيان فوائد الامتثال لتعاليم الدين الإسلامي دون الاقتصار على عبارات التهديد والوعيد بالعذاب في الدنيا والآخرة، حتى لا يقطع الأمل على من أراد التوبة من النزلاء، وبخاصة أولئك الذين يشعرون أن جرائمهم كبيرة فيدفعهم جزعهم إلى الاعتقاد، خطأ، بأن الله لن يغفرها لهم.
ولكي يؤدي الدين وظيفته في الحياة بعامة، وفي تعديل سلوك المنحرفين
 بخاصة، لابد أن يكون الواعظ أو الداعية على دراية تامة بسيكولوجية الدعوة إلى الله، وليس مجرد حفظ النصوص الدينية والأدبية وإلقائها .
وفي المجال التعليمي ينبغي تمكين النزيل من مواصلة دراسته داخل المؤسسة العقابية أو خارجها، وتمحى أميته إذا كان أميا.
وفي مجال التأهيل الثقافي يُعمل على إعادة النزيل إلى الأصالة التراثية لمجتمعه من خلال تطبيق العادات الحسنة داخل المؤسسة العقابية وشرح معاني نظم مجتمعه.
رابعا- إعادة التأهيل المهني:
تتطلب إعادة تأهيل النزلاء مهنيا إجراء عملية توجيه وإرشاد مهني على أسس علمية تضمن عدم الوقوع في خطأ الاختيار المهني الذي من المحتمل أنه قد حدث قبل اقتراف النزيل لانحرافه أو جريمته، ومن الحكمة بمكان استغلال وجود النزيل في المؤسسة العقابية لتوجيهه وإرشاده مهنيا حتى يكتسب المهنة المناسبة له ويعمل بها بنجاح، فالتوزيع العشوائي للسجناء على التخصصات المهنية لا يقل خطرا عن بقائهم بدون مهنة لأن النزيل في هذه الحالة قد يتعلم مهنة لا تتفق مع  استعداداته وميوله وقدراته وبالتالي فإنه سيهجرها بعد الإفراج عنه ويبقى عاطلا عن العمل.
إن للتوجيه والإرشاد المهني مكانة بالغة الأهمية في نجاح عملية إعادة تأهيل النزلاء، فبالإضافة إلى الأهمية والفائدة العملية والإنتاجية لكل من النزيل والمجتمع والمؤسسة التي يوجد فيها النزيل إذا ما تم توجيهه وإرشاده مهنيا بشكل يكسبه إحدى المهن، فإن العمل ينطوي على بعد علاجي مكمل للعلاج الجسمي والنفسي، فضلا عن شغل أوقات السجين بما يصرفه عن الأفكار والممارسات التي قد تضاعف اختلالاته الانفعالية والسلوكية، وليس أدل على الأهمية التي يحظى بها التأهيل المهني المناسب بخاصة، من أنه أصبح هدفا رئيسا للإصلاح في جميع القوانين والسياسات الجنائية، كما أن اكتساب النزيل لمهنة ما من أهم روافد العدالة الجنائية إذا ما أرادت تطبيق الإفراج الشرطي والمراقبة القضائية ومختلف التدابير خارج السجون والمؤسسات الإصلاحية، يضاف إلى كل هذا أن إعادة تأهيل السجناء مهنيا وعملهم داخل المؤسسات العقابية التي يوجدون بها ركن أساسي في قواعد الحد الأدنى لمعاملة السجناء، فهو حق للسجين من جانب، والتزام منه بالقواعد والأنظمة السائدة في مجتمعه من جانب آخر، وما من سبيل إلى ذلك بغير التوجيه والإرشاد المهني المتخصص.
ليس من غير الصائب القول بأن إرشاد النزلاء مهنيا عملية شاقة ودقيقة، ولها أهمية توازي أهمية سد حاجة المفرج عنه وعدم عودته إلى السلوك الإجرامي، ولكي تكون هذه العملية ناجحة لا بد أن تتم وفق خطوات ثلاث هي: (تحليل النزيل– تحليل المهن – تنفيذ التوجيه والإرشاد):
الخطوة الأولى- تحليل النزيل:
يهدف هذا التحليل إلى مساعدة النزيل في التعرف على نفسه وعلى خصائصه وإمكانياته ومزاياه ونقائصه. ولتحقيق هذا الهدف لا بد من استخدام الاختبارات القادرة على تقديم معلومات حقيقية عن النزيل، تساعده وتساعد القائمين على برنامج الإصلاح في اختيار المهنة المناسبة لتدريبه عليها، ويتناول تحليل النزيل الجوانب السبعة الآتية:
1-          الناحية الجسمية: إذ لا بد من تحديد مدى الصحة الجسمية، ومدى القدرة على الوقوف، ومدى سلامة الكلام والمظهر، ويمكن الاستعانة بالسجلات السابقة للجاني في المستشفى أو المدرسة أو أي مؤسسة يوجد له بها سجلات موثقة.
2-          الذكاء العام: فكل مهنة تتطلب درجة معينة من الذكاء للقيام بعمليات التحليل والتركيب والتمييز.
3-          الاستعدادات الخاصة: فكل مهنة تتطلب أنواعا مختلفة من القدرات الخاصة، ودرجات متفاوتة من الاستعدادات كالاستعداد اللغوي اللفظي، والاستعداد العددي، والاستعداد المكاني أو القدرة على إدراك المكان رغم التغير السريع لوضعية الجسم، والاستعداد البصري ومنه سلامة النظر ومدى اتساع مجال الرؤية البصرية، وإدراك الأشكال، والتآزر الحركي، والبراعة اليدوية، وبراعة الأصابع، والاستعداد الموسيقي، إلى غير ذلك من الاستعدادات.
4-          التحصيل الدراسي: إذ لا بد من معرفة المستوى الدراسي للجاني وكفاءته وقدرته على التحصيل، ومعرفة المقررات الدراسية التي قصر فيها وتلك التي تفوق فيها.
5-          الميول والقيم والاهتمامات: ليس من الصواب أن يستنتج الأخصائي في الإرشاد المهني من تصريحات النزيل عن اهتمامه بمهنة معينة أنه سيكون ناجحا فيها، فقد لا تكون لديه القدرة اللازمة لتحقيق النجاح فيها، لذلك فلا بد من إخضاع الميول والاهتمامات للاختبارات القادرة على تمحيصها وتحديد ما هو حقيقي منها وما هو سطحي مبني على الإعجاب فقط.
6-          الشخصية: تحتاج بعض المهن إلى سمات شخصية معينة، لأن السمة في حد ذاتها مظهر من مظاهر السلوك ثابت نسبيا، كالانبساط والانطواء، والسيطرة والخضوع، والمزاج الذي يحدد مدى تجاوب النزيل مع الآخرين، وتقاس هذه السمات الشخصية من خلال الاستبيان وقوائم الاختبارات الشخصية والطرق الإسقاطية.
7-          الظروف العامة: مثل ظروف عائلة النزيل كالقدرة على الانتقال إلى مكان آخر حيث يوجد مجال المهنة، والسن، والظروف المادية.          
الخطوة الثانية- تحليل المهنة:
من الطبيعي أن يكون التوجيه والإرشاد المهني (الاختيار) ناجحا بقدر ما يعرف النزيل من معلومات عن المهنة ومميزاتها ومتطلباتها وظروف العمل بها، ولا شك أن الأفق المهني للجاني يتأثر بمدى معرفته بمختلف المهن، فربما تم من خلال الإرشاد المهني إطلاع النزيل على مهن لم يكن يعرفها، كما أن النزيل الذي يختار مهنة معينة بناء على إدراك خاطئ قد يكلفه ذلك ويكلف مجتمعه كثيرا من النواحي الأمنية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية.
إن المعلومات المهنية المقدمة للجاني تحقق عددا من الوظائف المهمة، ومنها:
1-          تحديد ما الذي تحتاجه المهنة من تحصيل وتدريب.
2-          تأقلم النزيل وتكوين توازن بين نفسه ومخططه المهني.
3-          تحديد وضعيات العمل المتلائمة مع احتياجات النزيل في أثناء العقوبة وبعدها.
4-          إثارة التفكير المهني للجاني وزيادة وعيه بشروط ومتطلبات العمل في المستقبل.
الخطوة الثالثة- بدء عملية الإرشاد المهني:
بعد تحليل النزيل وتحليل المهن تأتي عملية الإرشاد، وهنا لا بد أن يكون المرشد على علم تام بالجوانب الآتية:
1-          المعلومات المهنية: ويهتم المرشد هنا بتصنيف المهن بشكل تصبح معه علاقات المهن ببعضها البعض واختلافاتها واضحة أمامه وأمام النزيل تماما.
2-          المعلومات الدراسية: وهنا لا بد أن يكون المرشد ملما بجميع التخصصات الدراسية ومراحلها والمعارف المقدمة فيها، ومدة التدريب اللازمة لكل مهنة حتى تتم المواءمة بين مدة التدريب ومدة العقوبة.
3-          المعلومات المتعلقة بعلاقات التدريب على المهنة كالحيلولة دون تواجد خصمين من النزلاء في وقت واحد في مكان التدريب، تفاديا لما قد يحدث بينهما من نزاع.
4-          المعلومات المتعلقة بعلاقات العمل في المستقبل: وهنا لا بد أن يكون المرشد ملما بأنواع التنظيم المختلفة للمؤسسات والتشريعات الرسمية التي تقوم عليها حتى يتمكن من شرحها وتوضيحها للجاني.    
وتنتهي عملية الإرشاد المهني في المؤسسات العقابية بأن يُقْدِمَ النزيل وبمساعدة المرشد المهني على اتخاذ قرار باختيار مهنة معينة، وهذا القرار يمر بالخطوات الآتية، والتي لا بد للجاني من إدراكها وفهما جيدا قبل اختيار المهنة:
1-          تحديد القرار المراد اتخاذه، مثل ماذا يريد أن يختار، وماذا يريد أن يعمل بعد انتهاء عقوبته.
2-          أن يعرف النزيل نفسه جيدا، ومن ضمن ذلك معرفته للمهارات والأدوار التي يستطيع أن يؤديها، ومعرفة المهارات التي يحتاج إلى اكتسابها لهذه المهنة، ومعرفة الأسلوب المناسب للتعايش مع الزملاء والرؤساء في العمل مستقبلا.
3-          جمع المعلومات حول المهن في سوق العمل وتحديد أيها أكثر احتياجا من قبل المجتمع، وأيها قد اندثر أو تكاد.
4-          تحديد عدد من الاختيارات المهنية ثم تحذف أقلها أهمية إلى أن تبقى مهنة واحدة تكون هي المهنة التي يختارها النزيل.
5-          تقييم البدائل مع استشراف المستقبل عند اختيار البدائل المهنية.
6-          تصميم مخطط لتنفيذ القرار يتضمن الخطوات الإجرائية للبدء في التدريب على المهنة التي تم اختيارها.
وتبرز حالتان في مجال إعادة التأهيل المهني للجناة لا بد من التطرق لهما: الحالة الأولى: أنْ يكون بعض النزلاء مؤهلين مهنيا من قَبل، وفي هذه الحالة يمكن الإفادة منهم بتشغيلهم في الأعمال التي تحتاجها مرافق المؤسسة العقابية في مهنهم نفسها ولذلك فوائد منها:
·                 إتاحة فرصة الكسب والادخار أمامهم .
·                 محاربة البطالة الناتجة عن السجن .
·                 المحافظة على مهارة السجين ومعلوماته حول مهنته.
الحالة الثانية: أن هناك سجناء لا توجد لديهم حرفة ولا مهنة، وهؤلاء يحتاجون إلى إكسابهم مهنة تتفق مع ميولهم واستعداداتهم كي يتسنى لهم الحصول على عمل بعد الإفراج عنهم.
وفي كل هذه المجالات تُدعم جهود إعادة التأهيل بتمكين السجناء من ممارسة هواياتهم، وتنميتها بالمتابعة والاطلاع من خلال استعارة الكتب، أو شراء ما يلزمهم منها.
إنه وإن كانت بعض هذه التطبيقات الإصلاحية عزيزة ولم تُفَعَّل في كثير من دول العالم في مجال العقوبة فإن استعراضها هنا يعطي صورة واضحة عن حجم الخسارة عندما توضع العقوبة فقط في موضع يتطلب العلاج أيضا، فتزداد الأمور سوءا من الناحية الصحية للجاني، ويزداد سلوكه انحرافا وبالتالي تزداد الأفعال الإجرامية الماسة بأمن المجتمع، والزيادة هنا لا تكون في العدد فحسب وإنما في شدة الأفعال الإجرامية أيضا.
ولما كان علاج الاضطرابات السلوكية مطلوبا لعدد كبير من أفراد المجتمع بشكل عام فإنه أكثر إلحاحا في مجال الجريمة والعقوبة، فإذا كانت أعراض الاضطرابات الانفعالية ومختلف الأمراض النفسية والعقلية مزعجة للمريض، فإنها مزعجة ومهددة لأمن المجتمع برمته من خلال السلوك الإجرامي الذي تدفع بالمريض إلى اقترافه، وما لم يجد النزيل ما يناسب أمراضه من علاج فإن الأمر يصبح جد خطير، وبخاصة أن البحوث والإحصاءات العلمية في مجال علم النفس تؤكد أن الأمراض النفسية في تزايد مستمر.
وما من شك أن ممارسة العلاج النفسي في المؤسسات العقابية تختلف عنها في المستشفيات التي أنشئت من أجله، لأن اقتناع المريض بالعلاج فيها أمر يسير أما في المؤسسات العقابية فقد يعاني المعالج النفسي كثيرا قبل إقناع النزيل وربما إدارة المؤسسة العقابية نفسها بجدوى العلاج النفسي، لذلك يحمل المعالج النفسي عبئ هذا الإقناع وعبء التشخيص والعلاج، وتتضاعف الأعباء عليه عندما تكون هناك عقوبة شديدة أو قاسية تسهم في تفاقم الحالة المرضية للجاني، وبالتالي فإن الهدف الرئيس للمعالج النفسي داخل المؤسسة العقابية يصبح أكثر تعقيدا فهو في هذه الحالة مطالب بمساعدة النزلاء على التخلص من التوتر والاضطرابات التي أتوا بها وتلك التي أصيبوا بها في أثناء فترة العقوبة.
إن الفهم والاقتناع بدور العوامل الفردية التي تمثلها الأمراض النفسية في الدفع بالفرد إلى اقتراف السلوك الإجرامي يجعل من متطلبات العدل أن يشتمل تأهيل من سيعمل في مجال التنفيذ العقابي على العلوم والمعارف الصحيحة لإصلاح النزلاء، حتى يكون هؤلاء العاملون قادرين على فهم متطلبات الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل في عملية إصلاح النزلاء، واستيعابها.
كما أن من متطلبات العدل أيضا أن يتضمن ملف القضية المعروض على القاضي (ناظر القضية) حكما علميا على الحالة النفسية للمتهم، وأن يحرص القاضي على دراسة هذا الحكم وإن تَطَلَّب الأمر شهادة من قام بإعداده حتى تكون العقوبة علاجية بدلا من أن تكون سببا لتفاقم الحالة المرضية للجاني ومن ثم ازدياد جرائم العود.
إن مرحلة المحاكمة تمثل جزءا رئيسا من رد الفعل الاجتماعي على السلوك الإجرامي والذي ينبغي أن يشتمل على العمليات الثلاث الرئيسة السابقة (الوقاية – العلاج – إعادة التأهيل) وسوف يكون رد الفعل هذا ناجحا في جزئه القضائي بقدر قربه من هذه العمليات الثلاث كلها، وسوف يكون فاشلا بقدر بعده عنها.
إن عقاب النزيل فقط دون علاجه أمر يتعارض مع صفات العدل والشفقة والأمانة، ويتعارض أيضا مع أهداف العقوبة التي تسعى إلى تحقيق منفعة مستقبلية للجاني والمجتمع، ولن يؤدي ذلك إلا إلى تفاقم حالة النزيل المرضية وارتفاع درجة حقده ونقمته على المجتمع ومؤسساته ونظمه، ولن تكون العقوبة في هذه الحالة سوى داء يفاقم المرض من حيث قدر لها أن تكون علاجا، ولا سبيل لتفادي هذا المنزلق الخطير سوى جعل العقوبة عقوبة إصلاحية تعالج العوامل والأسباب والأعراض والنتائج.


[1] يسميه بعض العلماء والباحثين: (الاتجاه الوضعي)،  لكنني لا أحبذ هذه التسمية لأنها تخرج الاتجاه الفلسفي عن صفته الوضعية. 
(2)   نلاحظ هنا قدرا كبير من الاعتقاد بأثر الجبرية أو الحتمية، كتلك التي جاءت بها المدرسة البيولوجية وبخاصة في  فكر العالم الإيطالي (لمبروزو). 
(3)  يمكن تلخيص رؤى هاتين النظريتين في أن الجريمة ظاهرة طبيعية ترتبط في وجودها بنظام المجتمع والثقافة السائدة فيه.
(4) هنا يوجد وجه شبه بين نظرية  التحليل النفسي والمدرسة البيولوجية.
(5)  توجد في هذه المقولة نقطة التقاء مع نظرية التقليد للعالم (تارد).
(6)  نلاحظ هنا اتفاقا كبيرا بين العالم (فرويد) والفيلسوف (بكاريا) وكذك الفيلسوف (بنثام) رائدي المدرسة التقليدية الأولى.
(7)  استخدمت معظم الدراسات والبحوث التي اطلع عليها الباحث مصطلح (التأهيل) أما هذه الدراسة فتفضل استخدام مصطلح (إعادة التأهيل) على اعتبار أن الجاني قد تلقى تأهيلا ما قبل اقتراف السلوك الإجرامي لكنه كان تأهيلا فاشلا، لذلك يعاد تأهيله في المؤسسات المعنية بعد اقترافه للسلوك الإجرامي. 
(8)  هناك تداخل كبير بين هذه العمليات الثلاث فمن العلاج ما هو وقاية ومنه ما هو إعادة تأهيل، وفي كل الأحوال فإن العمليتين الثانية والثالثة (العلاج وإعادة التأهيل) تشكلان في مجملهما الجزء الرئيسي من برنامج الإصلاح.
(9)  رائد هذا الأسلوب العلاجي هو (ألبرت أليس A.Ellis) وقد دأب على تطويره منذ العام 1954م ولا يدعي (أليس) الأصالة فيما يتصل بالمبادئ أو المفاهيم التي بني عليها هذا الأسلوب العلاجي، بل نجده يقر بأن هذه المفاهيم قد صيغت منذ القدم. ولمزيد من المعلومات حول هذا الأسلوب العلاجي وما طرأ عليه من تعديلات، أنظر:
Ellis, A. Rational and irrational beliefs in counseling psychology. Journal of Rational Emotive and Cognitive Behavior Therapy (8)1993.  
(10)  يلاحظ هنا الدعم الواضح من قبل علم النفس لنظرية التقليد أو المحاكاة للعالم (تارد) ويقدم هذا دليلا قويا على أن هذه النظرية نظرية نفسية واجتماعية مشتركة.
(11)  يلاحظ هنا وجه شبه بين نظرية العلاج العقلاني ونظرية (روبرت ميرتون) في التناشز الاجتماعي.
(12)  هذا التأكيد مستمد من الخبرات والتجارب العملية للباحث مع الجناة في السجون والمؤسسات الإصلاحية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق